مستوى البيان والنظرية دون أن يكون لها رصيد يجسّدها من الواقع العملي ، لربّما اعترض بعضهم أنّها حالة مثالية غير قابلة للتطبيق .
لكن عندما نرجع إلى حياة الأئمة عليهم السلام نجدها حافلة بما يفوق الإحصاء ، فيما يجسّده عملهم وسلوكهم وأخلاقهم وتعاملهم مع الناس من أسوة حسنة . ولو لم تطبق لقيل إنّها أمور مثالثة . وإلّا لو لم يقف الحسين سيد الشهداء في رمضاء كربلاء باكياً على قاتليه رحمةً بهم وشفقة عليهم ؛ لأنهم سيدخلون النار بسببه ، ثمَّ طالب أحدهم بموقف مثل هذا على مستوى البيان ، فهل يمكن أن يلقى تجسيداً عملياً لو لم يكن أبو الشهداء قد جسّد ذلك فعلًا على الأرض ؟
إنّ فائدة الأسوة على مستوى هذه النظرية أنها تخرج السلوكيات من حيّز المثال والنظرية إلى حيّز التطبيق والواقعية ، ممّا يعطى النظرية مصداقية بين أتباعها والداعين إليها وبين الناس .
الثالثة : يكمن البعد الثالث للأسوة ببيان درجات النظرية وإلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يتسامى في درجات القرب الإلهى . فلو اقتصر الأمر على مستوى النظرية وحدها دون مثال تطبيقي لما أمكن معرفة مراقي تلك النظرية
والقابليات المكنونة فيها لتصعيد الإنسان إلى سلّم الكمال .
لكن عندما تجسّدت في واقع عملي وتحرّكت عبر أسوات وقدوات فقد اتضح أن بمقدور الإنسان أن يتسامى ويرتفع إلى أن يبلغ مقام قاب قوسين أو أدنى ، كما حصل للنبي الخاتم . فقد بان هذا المقام على المستوى العملي .
بحث حول الإمامة (حوار مع السيد كمال الحيدري) — صفحة 337
مساهمون: جواد علي كسار
ص٣٣٧