وقد اتضح أنّه لو كان علم الإمام الذي يُكسبه العصمة سنخ علم لا ينفك عن العمل المترتّب عليه انفكاكاً ذاتياً بحيث لو شاء أن يفك العمل عن العلم لما استطاع ؛ لو كان الأمر كذلك لكان المعصوم مجبراً على العصمة وعلى السلوك
المعصوم .
أمّا لو أرجعنا الانفكاك إلى مجال الوقوع لا إلى مجال الذات ، فإنه يمكن أن ينفك ذاتاً ولكنه لا ينفك وقوعاً . ومن هنا يأتي اختيار الفاعل في الفعل ، بعكس ما لو قلنا بعدم الانفكاك الذاتي فلا معنى للاختيار .
الدليل على الاختيار قرآنياً
كسار : ولكن ما الدليل على أن هذا الأمر اختياري وأن عمل المعصوم يمكن أن ينفصل ذاتاً عن علمه ، وحينئذٍ هناك مساحة لاختيار الفاعل وإرادته ؟
الحيدري : هذا أمر ثابت من الوجهة الفلسفية . وهو ثابت أيضاً قرآنياً ، فهذا كتاب الله يخاطب النبي صلّى الله عليه وآله بقوله تعالى : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) « 1 » فلو لم يكن قادراً على الشرك لكونه مجبراً على العصمة ، فهل يبقى معنىً لهذه الآية ؟ إنّما يكون للآية معنى إذا كان الفاعل مختاراً .
ليس هذا وحده ، بل لا يبقى ثمّة معنىً للثواب والعقاب . وهذه إحدى الاعتراضات التي تواجه نظرية الأشاعرة الذين قالوا
بالجبر .
هامش
( 1 ) الزمر : 65 .