عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلى وأظمأت هواجرى وكأني أنظر إلى عرش ربّى وقد وضع الحساب ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة ، وكأني أسمع عواء أهل النار في النار . فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله : عبدٌ نوّر الله قلبه ،
أبصرت فاثبت
) « 1 » .
هذه إذن حالة ممكنة لأواسط الناس فضلًا عن الذين وصلوا إلى مقام الإمامة السامي وليس منطق أولئك : ( كأني أنظر ) ، بل : (
لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً )
« 2 » كما يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب .
وبالعودة إلى القرآن مجدداً فإنه يربط بين بلوغ الإنسان إلى مقام اليقين ورؤية الملكوت . فإذا ما رأى الملكوت يكون قد وصل اليقين .
والفارق كبير جداً بين العلم بما في الملكوت وبين رؤيته ، وذلك من قبيل من يرى حادثة تقع في الشارع فيعيشها ويلامس وقائعها مباشرة وبين من يسمع بها عن طريق المذياع أو مخبر أو يقرأ عنها في صحيفة .
لذلك عندما يفرغ خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام من بناء البيت
يتوجّه إلى ربّه بقوله : ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) « 3 » ولم يقل علّمنا
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، ج 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب حقيقة الإيمان واليقين ، ح 3 ، ص 54 .
( 2 ) الصواعق المحرقة ، ص 129 ؛ شرح نهج البلاغة ، ج 7 ، ص 253 ، وج 11 ، ص 197 وص 202 ؛ المناقب للخوارزمي ، ص 375 و 395 ؛ مشارق أنوار اليقين ، للحافظ رجب البرسي ، ص 78 .
( 3 ) البقرة : 128 .