فكان مع هذه المرأة في خلوة كما تتصوّر هي وقد غلقت الأبواب وأرخت الستور ، وكانا في أمن من ظهور الأمر وانهتاك الستر لأنّها كانت عزيزة بيدها أسباب الستر والتعمية . ولم يكن مع يوسف ما يدفع به عن نفسه وينتصر به على هذه الأسباب القوية إلّا أصل التوحيد وهو الإيمان بالله ، وبعبارة أُخرى ليس له إلّا أن يتترّس في خندق المحبّة الإلهية التي ملأت وجوده وشغلت قلبه فلم تترك لغيرها محلًا ولا موضع إصبع .
يقرّر العلّامة الطباطبائي هذه الحال التي مرّ بها يوسف بهذا التعبير الرائع :
« فهذه أسباب وأُمور هائلة لو توجّهت إلى جبل لهدّته أو أقبلت على صخرة صمّاء لأذابتها » « 1 » . إلّا أنّ كلّ شئ يضمحل ويتفتّت أمام المحبّة الإلهية التي يمتلكها أولياء الله المخلصون .
هذا على المستوى الفردى ، أمّا على
المستوى الاجتماعي فقد ابتلاه الله عزّ وجلّ بذلك المنصب الذي وصل إليه في دولة مصر آنذاك ، وهو أن يكون أميناً على خزائن الدولة ، ولا يخفى أنّ هذا المنصب المالى الكبير قد انزلق فيه كثير من الخلق وهلكت فيه أسماء كبيرة عندما وجدت نفسها على محكّ الاختبار المباشر المتمثّل بالسيطرة على الأموال الضخمة العائدة إلى خزائن الدول . إلّا أنّ حال يوسف عليه السلام لم يكن كذلك ، وهل ثمّة مكان للمال في قلبه
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 129 .