المرأة قد استغرقت في حبّه بشكل تامّ أدّى إلى أن لا ترى شيئاً أمام عينها ولا حاكم على وجدانها إلّا يوسف .
هذا من جهتها ، أمّا من جهته عليه السلام فالأمر يختلف تماماً فإنّه بناءً على ما تقدّم في صفات المخلَصين نراه قد استغرق في حبّ ربّه وأخلص فيه فلم يترك لشئ في قلبه محلًا غير حبيبه الحقيقي فهو في خلوة مع ربّه وحضرة منه يشاهد فيها جماله وجلاله وقد تلاشت الأسباب الكونية والظاهرية من نظره الشريف فلم يركن إليها أو يعتضد بها . فماذا كان جوابه عندما قالت له « هيت لك » ؟
لم يجبها بتهديد ولم يقل لها إنّى أخاف
العزيز ولا أخونه أو إنّى من بيت النبوّة والطهارة أو إنّ عفّتى أو عصمتي تمنعني من الفحشاء ولم يقل إنّى أرجو ثواب الله أو أخاف عذابه ، كلّا ، فكلّ ذلك لم يكن في منظور يوسف عليه السلام في تلك اللحظات ، ولو كان قلبه متعلّقاً بشئ من الأسباب الظاهرة لكان قد ذكره وبدأ به عند مفاجأة الشدّة ونزول الاضطرار على ما هو مقتضى طبع الإنسان . بل نراه قابلها بقوله : « معاذ الله » أي العياذ بالله فحسب ، وهو استمساك بعروة التوحيد ، فلم يكن في قلبه أحد سوى ربّه ولا تعدّى بصره إيّاه إلى غيره فهذا هو التوحيد الخالص الذي قادته إليه المحبّة الإلهية وأولهه في ربّه فأنساه الأسباب كلّها حتّى أنساه نفسه فلم يقل إنّى أعوذ منك بالله أو ما يؤدّى معناه وإنّما قال « معاذ الله » . ثمّ أوضح هذا التوحيد بقوله لها ثانياً : ) إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( ، فإنّ هذا التعبير ليس إلّا توضيحاً للتوحيد الذي
أفاده بقوله « معاذ الله » .
يوسف الصديق (رؤية قرآنية) — صفحة 91
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٩١