عليه ذلك ، وإذا وصف له اضطراب أُمور الناس وفوات مقاصدهم
وتنغّص عيشهم فرح به ، فهو أبداً يحبّ الإدبار لغيره ، ويبخل بنعمة الله على عباده كأنّهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه ! وهذا ليس له سبب ظاهر إلّا خبث في النفس ورذالة في الطبع ، عليه وقعت الجبلّة . ومعالجته شديدة لأنّ الحسد الثابت بسائر الأسباب الأُخرى أسبابه عارضة ويتصوّر زوالها ، وهذا خبث في جبلّة الإنسان فتعسر إزالته بل تستحيل في العادة .
فهذه أهمّ أسباب الحسد ، وقد يجتمع بعضها أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم الحسد حينئذ ويقوى قوّة لا يقدر معها على الإخفاء والمجاملة بل ينتهك حجاب المجاملة وتظهر العداوة بالمكاشفة . وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب وقلّما يتجرّد سبب واحد منها .
العلماء والحسد
لسائل أن يسأل : كيف يقع الحسد بين
العلماء ؟ وما هو السبب الكامن وراءه ؟
الجواب : إنّ العلماء لو قصدوا بالعلم التوصّل إلى المال والجاه لوقع بينهم التحاسد ، لأنّ المال أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخرين ، ولأنّ الجاه هو ملك القلوب ، ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا محالة ، فيكون ذلك سبباً للمحاسدة .