ولكن إذا امتلأ قلب الإنسان بالفرح والبهجة بمعرفة الله تعالى لم يمنع ذلك أن يمتلئ قلب غيره به وأن يفرح به ، وهذا هو الفرق بين العلم وبين المال والجاه . فإنّ العلم لا نهاية له ولا يتصوّر استيعابه ، وعليه فمن عوّد نفسه التفكّر في جلال الله وعظمته وملكوت أرضه وسمائه صار ذلك عنده ألذّ من كلّ نعيم ولم يكن ممنوعاً عنه ولا مزاحماً فيه فلا يكون في قلبه حسد لأحد من الخلق لأنّ غيره أيضاً لو عرف مثل معرفته لم ينقص من
لذّته بل زادت لذّته بمؤانسته ، فتكون لذّة هؤلاء في مطالعة عجائب الملكوت على الدوام أعظم من لذّة من ينظر إلى أشجار الجنّة وبساتينها بالعين الظاهرة ، فإنّ نعيم العارف وجنّته معرفته التي هي صفة ذاته يأمن زوالها وهو أبداً يجنى ثمارها ، فهو بروحه وقلبه متغذّ بفاكهة علمه ، وهى فاكهة غير مقطوعة ولا ممنوعة ، بل قطوفها دانية ، فهو وإن غمض العين الظاهرة فروحه أبداً ترتاح في جنّة عالية ورياض زاهرة ، فإن فرض كثرة من العارفين لم يكونوا متحاسدين بل كانوا كما قال فيهم ربّ العالمين : ) وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ( « 1 » . فهذا حالهم وهم بعد في الدنيا ، فماذا يظنّ بهم عند انكشاف الغطاء ومشاهدة المحبوب في العقبى ؟
وعليه فلا يتصوّر أن يكون في الجنّة محاسدة ، ولا أن يكون بين أهل الجنّة وهم
في الدنيا محاسدة ؛ لأنّ الجنّة لا مضايقة ولا مزاحمة
هامش
( 1 ) الحجر : 47 .