أسبابه والأحوال التي تؤدّى إليه فيجرى في وصفه حتّى إذا بلغ نفس الحادثة سكت سكوتاً عميقاً ثمّ وصف ما بعد القتل من الحوادث فيدلّ بذلك على أنّ صفة القتل بلغت من الفجاعة مبلغاً لا يسع المتكلّم أن يصرّح به ولا يطيق السامع أن يسمعه .
فكأنّ الذي يصف القصّة عزّ اسمه لما قال : ) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الْجُبِّ (
سكت مليّاً وأمسك عن ذكر ما فعلوا به أسىً وأسفاً لأنّ السمع لا يطيق وعى ما فعلوا بهذا الطفل المعصوم المظلوم النبي ابن الأنبياء ، ولم يأت بجرم يستحقّ به شيئاً ممّا ارتكبوه فيه وهم إخوته وهم يعلمون مبلغ حبّ أبيه النبي الكريم يعقوب له !
فيا قاتل الله الحسد يهلك شقيقاً مثل يوسف الصدّيق بأيدي إخوته ، ويثكل أباً كريماً مثل يعقوب بأيدي أبنائه ، ويزيّن بغياً شنيعاً كهذا في أعين رجال ربّوا في حجر النبوّة ونشأوا في بيت الأنبياء ! » « 1 » .
ثمّ إنّهم جاءوا أباهم عشاءً ، انظر كيف يصف القرآن موقف هؤلاء من الحيرة ومحاولة التستّر على جريمتهم النكراء ، فلم يرجعوا إلى البيت في النهار بل ظلّوا يفكّرون في التستّر حتّى جنّ عليهم الليل . . إنّه أحد فصول الجريمة . . فقد
جاءوا ليلًا وتلك أوّل أمارات الكذب . . جاءوا ملفّفين بظلام الليل خوفاً من أن يفضحهم ضوء النهار
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 102 .