تخطي إلى المحتوى الرئيسي

يوسف الصديق (رؤية قرآنية) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
هذه الأسباب كلّها بيد الله سبحانه وتعالى ولا تعمل إلّا بمشيئته وعلمه ولا تؤثّر أثرها إلّا بإرادته عزّ وجلّ ، فمن يقصد الطبيب طالباً الشفاء من المرض بناءً على هذا النحو يعتقد أنّ الشافي حقيقة هو الله سبحانه ولكن بوسيلة طبيعية هي الطبيب . وهذه الاستعانة بالسبب الطبيعي لا تتنافى مع الإخلاص في العبودية والتوحيد . إذاً ينبغي أن نعرف بأنّ الإخلاص في الدعاء والطلب من الله لا يعنى إبطالًا لسببية الأسباب الوجودية التي جعلها الله تعالى وسائل متوسّطة بين الأشياء وبين حوائجها الوجودية لا عللًا فيّاضة مستقلّة دون الله سبحانه . وعليه فعندما نقول إنّ الواجب على العبد أن يتوجّه في حوائجه إلى جناب العزّة وباب الكبرياء ولا يركن إلى الأسباب ، فنعنى بذلك الدعوة إلى عدم الاعتماد على الأسباب إلّا بالله الذي أفاض عليها السببية ، ولا يعنى ذلك إلغاء الأسباب والطلب من غير سبب ، بل هذا لا يمكن تصوّره لأنّ الداعي يريد ما يسأله بالقلب ثمّ يسأل ربّه باللسان ويستعين على ذلك كلّه بأركان وجوده جميعاً وكلّ ذلك أسباب لا محالة ! ولتقريب هذه الحقيقة فإنّا نرى الإنسان يفعل جميع أفعاله بأدواته الطبيعية فيعطى بيده ويرى ببصره ويسمع بأُذنه ، فمن يسأل ربّه بإلغاء الأسباب كان كمن سأل الإنسان أن يناوله شيئاً من غير يد أو ينظر إليه من غير عين . وفى المقابل فمن ركن إلى سبب من دون الله سبحانه وتعالى كان كمن تعلّق قلبه بيد الإنسان في إعطائه وهو غافل معرض عن الإنسان الفاعل بذلك في الحقيقة فهو غافل مغفّل ! وليس