تخطي إلى المحتوى الرئيسي

يوسف الصديق (رؤية قرآنية) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
وإنّما يعبد الله تعالى ويطيعه ليتخوّله في الآخرة شبعه منها فيبعث إلى مطعم شهى ومشرب هنىء ومنكح بهى ، وإذا بعثر عنه فلا مطمح لبصره في أُولاه وأُخراه إلّا إلى لذّات قبقبه « 1 » وذبذبه « 2 » ، والمستبصر بهداية القدس في شجون الإيثار قد عرف اللذّة الحقّ وولّى وجهه سمتها مسترحماً على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضدّه » « 3 » . بالعودة إلى ما كنّا فيه من الحديث عن النبىّ يوسف عليه السلام ، وبالاستناد إلى أنّ عبادة الخوف والطمع لا تخلو من شائبة الشرك وأنّ هذا لا ينسجم مع التوحيد الحقيقي المحض يثبت أنّه عليه السلام لم يكن في محوطة وجوده إلّا الكمال والجمال الإلهى ؛ قال تعالى : ) مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَىْءٍ ( وقال : ) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( . ومن هنا نرى أنّ الله سبحانه أجاز لعباده المخلصين أن يصفوه ، ولم يجز ذلك لغيرهم ، قال عزّ وجلّ : ) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( « 4 » فقد نزّه سبحانه نفسه عن توصيف كلّ واصف ثمّ قال : ) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( فاستثنى المخلصين وأجاز لهم وصفه باعتبارهم وقفوا على حقيقة التوحيد ولا شئ في قلوبهم سوى الحقّ عزّ وجلّ . « وذلك أنّ الناس إنّما يصفونه بمفاهيم محدودة عندهم وهو سبحانه غير محدود ولا يحيط به حدّ ولا يدركه نعت ، فكلّما وصف به فهو أجلّ منه ، وكلّ ما توهّم أنّه هو فهو غيره ، لكن له
هامش
( 1 ) القبقب يعنى البطن . ( 2 ) الذبذب : يعنى الذكر . ( 3 ) الإشارات والتنبيهات ، لابن سينا ، ج 3 ، ص 377 . ( 4 ) الصافات : 160 .