تقرّر أنّ الخلقة تدور مدار الحسن وأنّهما متلازمان متصادقان ، ثمّ ذكر سبحانه في آيات كثيرة أنّ كلّ شئ مخلوق هو آية تدلّ عليه .
وعليه فالأشياء من جهة أنواع خلقها وحسنها تدلّ على جماله الذي لا يتناهى وتثنى على حسنه الذي لا يفنى ، ومن جهة ما فيها من أنواع النقص والحاجة تدلّ على غناه المطلق وتسبّح وتنزّه ساحة القدس والكبرياء كما قال تعالى : ) وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ( « 1 » .
« فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريق هداهم إليه ربّهم وعرّفه لهم وهو أنّها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله ، وليس لها من النفسية والأصالة والاستقلال إلّا أنّها كمرائى تجلى بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهى ،
وبفقرها وحاجتها ما أحاط بها من الغنى المطلق ، وبذلّتها واستكانتها ما فوقها من العزّة والكبرياء ، ولا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزّة والعظمة ويغشى قلبه من المحبّة الإلهية ما ينسيه نفسه وكلّ شئ ويمحو رسم الأهواء والأميال النفسانية عن باطنه ، ويبدّل فؤاده قلباً سليماً ليس فيه إلّا الله عزّ اسمه ، قال تعالى : ) وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ( « 2 » « 3 » .
سيراً على هدى هذه الحقيقة وأمام نور هذا الطريق الشامخ من المعرفة الإلهية فإنّ الطريقين الآخرين ، أي طريق العبادة خوفاً وطريق
هامش
( 1 ) الإسراء : 44 .
( 2 ) البقرة : 165 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 163 .