العصمة والعدالة في ضوء البرهان الإلهى
من الأُمور الثابتة في بحوث علم الأخلاق
أنّ كلّ ملكة تستند إلى علم سابق عليها ، فملكة العدالة مثلًا ترجع إلى العلم بالأوامر والنواهي الإلهية والعلم بالثواب والعقاب ، ولذلك فهذه الملكة تمنع صاحبها من ارتكاب الذنب واقتراف المعصية ، ومن هنا ينبغي أن نسأل : ما دامت العصمة والعدالة ترجعان إلى العلم ، فلماذا اختلفتا في الآثار ؟ فإنّنا نرى أنّ العصمة يمتنع معها صدور المعصية إطلاقاً ، بخلاف العدالة فإنّها وإن كانت تمنع من صدور المعصية لكنّها لا تمنع مطلقاً بل يتصوّر معها الصدور وبذلك تنتفى العدالة حينئذ ؟
الجواب : إنّ الاختلاف المذكور بين معطيات العصمة ومعطيات العدالة يرجع إلى الاختلاف في سنخ العلم الذي تنتمى إليه كلّ ملكة منهما . فالعلم النافع والحكمة البالغة اللذين ينتجان العدالة وإن كانا يوجبان تنزّه صاحبهما عن الوقوع في مهالك الرذائل ،
والتلوّث بأقذار المعاصي ، كما نشاهده في رجال العلم والحكمة والفضلاء من أهل التقوى والدين ، غير أنّ ذلك لا يكون إلّا في الغالب كسائر الأسباب الموجودة في هذا العالم الطبيعي ، فلا تكاد تجد متلبّساً بكمال يحجزه كماله من النواقص ويصونه عن الخطأ صوناً دائمياً من غير تخلّف .
ولو سأل سائل عن الوجه في ذلك ، كان الجواب : إنّ القوى الشعورية المختلفة عند الإنسان يقتضى بعضها ذهوله عن حكم البعض الآخر أو ضعف التفاته إليه ، كما أنّ صاحب ملكة التقوى ما