ثمّ إنّ هذه الآية هب أنّها لا تدلّ على نفى المعصية عنه ، إلّا أنّه لا شكّ أنّها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عن
إنسان إقدامه على معصية عظيمة ، ثمّ إنّه يمدحه ويثنى عليه بأعظم أنواع المدائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم ، ثمّ إنّ الأنبياء عليهم السلام متى صدرت منهم زلّة أو هفوة استعظموا ذلك واتّبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع ، ولو كان يوسف عليه السلام أقدم هاهنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار ، ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها ، كما في سائر المواضع » « 1 » .
الكلّ يشهد ببراءة يوسف عليه السلام
وهذه من اللفتات الرائعة التي يقرّرها الرازي ( ت 604 ه ) في هذا المجال ، فإنّا لو تأمّلنا لوجدنا أنّ كلّ من كان
له تعلّق بهذه الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام من المعصية والهمّ بارتكاب الذنب .
أمّا من هم هؤلاء الذين شهدوا بذلك ؟
فيقول : اعلم أنّ الذين لهم تعلّق بهذه الواقعة هم يوسف عليه السلام ، وتلك المرأة وزوجها ، والنسوة ، والشهود ، وربّ العالمين شهد ببرائته عن الذنب ، وإبليس أقرّ ببرائته أيضاً عن المعصية ، فحينئذ لم يبق للمسلم توقّف في هذا الباب .
هامش
( 1 ) الرازي ، الإمام فخر الدين محمّد ، تفسير مفاتيح الغيب ، قدّم له الشيخ خليل محيي الدين الميس ، بيروت ، دار الفكر للطباعة والنشر ، 1995 ، ج 9 ، ص 118 .