كلّ حقّ وحقيقة وصرفتهم عن المعارف الحقيقية ،
ولذلك تراهم لا يرون لمعارف الدين محتداً وراء الحسّ ، ولا للمقامات المعنوية الإنسانية كالنبوّة والولاية والعصمة والإخلاص أصلًا إلّا الوضع والاعتبار ، نظائر المقامات الوهمية الاعتبارية الدائرة في مجتمع الإنسان الاعتباري ، التي ليست لها وراء التسمية والمواضعة حقيقة تتّكئ عليها وتطمئنّ إليها . فيقيسون نفوس الأنبياء الكرام على سائر النفوس العامية التي تتقلّب بين الأهواء وبلغت بها الجهالة والخساسة فإن ارتقت فإنّما ترتقى إلى منزلة التقوى ورجاء الثواب وخوف العقاب تصيب كثيراً وتخطئ ، وإن لحقت بها عصمة إلهية في مورد أو موارد فإنّما هي قوّة حاجزة بين الإنسان والمعصية لا تعمل عملها إلّا بإبطال سائر الأسباب والقوى التي جهّز بها الإنسان ، وإلجاء الإنسان واضطراره إلى فعل الجميل واقتراف الحسنة ، ولا جمال لفعل ولا حسن لعمل ولا مدح لإنسان مع الإلجاء والاضطرار .
الثاني : إنّ ظاهر قوله تعالى ) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْ لَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ( بناءً على ما ذكرناه من النحاة أنّ جزاء « لولا » لا يتقدّم عليها قياساً على « إن » الشرطية ، وعلى هذا يصير قوله « وهمّ بها » جملة تامّة غير متعلّقة بالشرط ، وجواب « لولا » قولنا « لفعل » أو ما يشبه ذلك ، والتقدير : ولقد همّت امرأة العزيز بيوسف وهمّ يوسف بها لولا أن رأى برهان ربّه لفعل .
إلّا أنّ ذلك واضح الفساد بعد أن نعرف أنّ الجملتين معاً أعنى قوله « ولقد همّت به » وقوله « وهمّ بها » قسميّتان ، وأنّ جزاء « لولا »
يوسف الصديق (رؤية قرآنية) — صفحة 144
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٤٤