الثاني : أنّ يوسف عليه السلام كان بريئاً عن العمل الباطل ، والهمّ المحرّم ، وهذا قول المحقّقين من المفسّرين والمتكلّمين ، وبه نقول وعنه نذبّ ، واعلم أنّ الدلائل الدالّة على وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام كثيرة ونزيدها هاهنا وجوهاً :
إنّ الزنا من منكرات الكبائر ، وهكذا الخيانة من منكرات الذنوب ، وأيضاً مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة التامّة والعار الشديد أيضاً من منكرات الذنوب ، وأيضاً الصبى إذا تربّى في حجر إنسان وبقى مكفىّ المؤونة مصون العرض من أوّل صباه إلى زمان شبابه وكمال قوّته ، فإقدام هذا الصبى على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المعظّم من منكرات الأعمال .
إذا ثبت هذا نقول : إنّ هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع ، ومثل هذه المعصية لو نُسبت إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كلّ خير لاستنكف منه ، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ! المؤيّد بالمعجزات القاهرة الباهرة . ثمّ إنّه تعالى قال في غير هذه الواقعة ) كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ( وذلك يدلّ على أنّ ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه ، ولا شكّ أنّ المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع السوء وأفحش أقسام الفحشاء ، فكيف يليق بربّ العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئاً من السوء مع أنّه قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء ؟ !
يوسف الصديق (رؤية قرآنية) — صفحة 146
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٤٦