في ضوء السؤال المتقدّم يمكن أن ينقسم الناس إلى قسمين :
الأوّل : الناس الذين امتنعوا عن المعاصي وحصلوا على التوفيق الإلهى بعد هذا الامتناع ، أي أنّهم امتنعوا وجاهدوا أنفسهم ، ثمّ أعطاهم الحقّ هدايته وتولّى أمرهم .
الثاني : الناس الذين أعطاهم الله هدايته وتولّاهم بتربيته ، ومن بعد ذلك امتنعوا عن المعاصي ومخالفة الحقّ عزّ وجلّ .
لا ريب أنّ الأنبياء عليهم السلام
كانوا من القسم الثاني جميعاً أي أنّ الله سبحانه أعطاهم هدايته أوّلًا ثمّ امتنعوا عن مخالفته ثانياً ، أي أنّهم مسدّدون بالتسديد الإلهى والهداية الربّانية منذ أوّل وجودهم في هذا العالم وقبل أن يقعوا في عالم التكاليف والأوامر الإلهية . ومن ثمّة نجد أنفسنا أمام تساؤل آخر لا يقلّ أهمية عن السابق وهو : لماذا أعطى الله سبحانه الأنبياء هذه الهداية ووهبهم هذا التسديد وتولّاهم بنفسه ولم يعط ذلك إلى باقي الناس ؟ ثمّ أكان هذا الاختلاف في العطاء الإلهى نابعاً من حكمة خاصّة يعلمها الله أم وقع جزافاً ؟
في ضوء معطيات المدارس الإسلامية المختلفة في تفسير الفعل الإلهى وُجد جوابان :
1 . ما أجابت به المدرسة الأشعرية من أنّ ذلك الاختلاف لا يرجع إلى حكمة خاصّة وليس من الضروري أن يكون نابعاً من حكمة بل أراد الله ذلك ؛ لأنّه ) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ( . وهى نظرية الإرادة الجزافية ، وقد ثبت في أبحاث علم الكلام من العدل الإلهى بطلان هذه النظرية بل قامت الأدلّة العقلية والنقلية والنصوص القرآنية
يوسف الصديق (رؤية قرآنية) — صفحة 113
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٣