الهداية الإلهية وإشكالية الجبر في الفعل الإنسانى
بناءً على ما تقدّم من أنّ الله سبحانه وتعالى قد سخّر كلّ الأسباب الظاهرية لوصول يوسف عليه السلام إلى هذا المقام الشامخ من القرب الإلهى وأنّه علّمه من تأويل الأحاديث واجتباه وهداه إلى
صراط مستقيم بل تولّاه بنفسه وربّاه بالتربية الإلهية التي أخذت بيده إلى مجامع الخير وأُصول الكمال ، ينبثق السؤال التالي : أفي أوّل الأمر ، امتنع الأنبياء عليهم السلام عن المعاصي ومخالفة الحقّ عزّ وجلّ ، ومن بعد ذلك وهبوا الهداية الإلهية والتسديد الربّانى ، أم الأمر بالعكس ، أي هداهم الله ووضعهم على صراطه المستقيم ونتيجة لذلك لم يعصوا الله ولم تعتريهم سبل الضلال والانحراف ؟
هذا سؤال جوهري يضعنا أمام مسألة من أهمّ المسائل المطروحة على بساط البحث الكلامي وهى إشكالية الجبر في الفعل الإنسانى ، أي أنّ لو كان الله قد أعطى الأنبياء الهداية والتوفيق في سلوك طريق الحقّ وهجران طريق الباطل قبل أن يمتنعوا هم عن ذلك ، فما هي حينئذ فضيلتهم وتكريمهم على باقي الخلق ؟ وهذا ليس خاصّاً بالأنبياء بل
جار في كلّ إنسان يوفّق إلى الهداية الإلهية ، وعليه فلابدّ من الإجابة المفصّلة عن السؤال المذكور ، خصوصاً وأنّ البحث قد عقد في أصله حول قصّة يوسف عليه السلام الذي تولّاه الله سبحانه منذ كان صبياً أي قبل أن يبلغ ويدخل في معترك الحياة ويتقلّب في طبقات المجتمع الإنسانى !