وثالثة يقع في النار نفسها فيذوق حرارتها .
القسم الأوّل هو الذي اصطلحوا عليه علم اليقين ، وهذا العلم قد يحصل فيه شكّ وارتياب ، بحكم أنّ الإنسان لم يرَ المؤثّر وإنّما رأى الأثر ، وعندئذ قد يشكّ في أنّ هذا الأثر لذاك الموثّر أو لشئ آخر .
لكن لا يمكن للإنسان أن يرتاب فيما يرتبط بحقّ اليقين وعين اليقين ، فالإنسان وهو في النار يحسّ بحرارتها وبحرقة الألم الحاصل منها ، لا معنى لأن يشكّ بعدئذ في كون النار محرقة ، فلو أقمت له ألف دليل على أنّ النار ليست محرقة فسيردّ
عليك بأنّها محرقة . وهذا النوع من العلم لا ينفكّ عن الأثر المترتّب عليه .
فإنّ هناك علماً لا يترتّب عليه أثره كما في قوله تعالى : ) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ( « 1 » وقوله : ) وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ( « 2 » . فهنا العلم متحقّق إلّا أنّه لا يؤثّر أثره المطلوب منه وهو الإيمان .
ثمّ يشير القرآن إلى نحو آخر من العلم لا ينفكّ عنه أثره المترتّب عليه ، وهذا علم خاصّ وليس علماً حصولياً يحصل في ذهن الإنسان ، بل يطلق عليه العلم الحضوري ، وهو الذي أشارت إليه الآية المباركة بالنسبة لإبراهيم عليه السلام : ) وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( « 3 » .
هامش
( 1 ) النمل : 14 .
( 2 ) الجاثية : 23 .
( 3 ) الأنعام : 75 .