عن أنفسهم وهم في المدينة بعد أن اعتدى المشركون على أهالي المهاجرين في مكّة وصادروا جميع أموالهم ، ولعلَّ وجودهم في مكّة وضعف إمكانياتهم كان يمنعهم عن إكراه الآخرين على دخول الإسلام ، ولكنَّ ذلك لا يصل إلى درجة عدم الدفاع عن النفس .
من هنا يتّضح أنَّ إستراتيجيّة الإسلام هي الدعوة بالفكر لا بالسيف ، وإذا ما اقتضى الأمر لاستعمال السيف فذلك من باب الدفاع عن النفس أو نُطلق عليه : العمل على رفع المانع ، وسيأتي توضيح ذلك ، وقد حصل العمل على رفع المانع في مرحلة الدعوة المدنيّة لا المكّية . وعندما بدأت الحروب الدفاعيّة وقويت شوكة المسلمين بحيث أصبحوا مُتمكِّنين من إكراه الآخرين على دخول الإسلام بالقوّة ، نزل قوله تعالى : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ « 1 » .
ومثاله - أيضاً - ما ذكره في سياق تفسيره للتركيب الجملي : ( الله وليّ الذين آمنوا ) ، تحت عنوان ( شبهة الخلط بين التولّي والتعاطي ) ، حيث أكّد أنّ هناك شواهد تاريخيّة كثيرة تدعم أنّ مساعدة الفقير من غير المسلمين وعلاج مريضهم ، والعمل على هدايتهم ، ومودّة الأقرباء منهم ، لا يشكّل خروجاً عن ولاية الله تعالى ، فذلك غير مشمول بنصوص النهي عن ولاية الكافر ؛ لأنّها ليست تولّياً لهم « 2 » .
هامش
( 1 ) منطق فهم القرآن : ج 2 ، ص 339 - 340 .
( 2 ) المصدر نفسه : ج 2 ، ص 414 .