الثلاث فوق مستوى التصوّر ، ولعلّ في قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( لقمان : 27 ) ، تنبيهاً إلى السعة الوجوديّة التي لا يعلم حدَّها ورسمها إلّا الله والراسخون في العلم ، وهذا الوجود على سعته قد جُمع في كُرسيِّه سبحانه .
وقد تنبَّه بعض أعلام التفسير لهذا الوجود الماورائي ، بشكل مباشر وغير مباشر ، كالفخر الرازي ، حيث يقول : « ثمَّ إنّه لمّا بيّن كمال ملكه وحكمه في السماوات وفي الأرض ، بيّن أنَّ ملكه فيما وراء السماوات والأرض أعظم وأجلّ ، وأنّ ذلك ممّا لا تصل إليه أوهام المتوهّمين ، وينقطع دون الارتقاء إلى أدنى درجة من درجات المتخيّلين ، فقال : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ » « 1 » ، وفي ذلك يقول الطباطبائي : « وربما لوّح إليه أيضاً قولُه تعالى فيها : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ، حيث جعل المعلوم : ما بين أيديهم وما خلفهم ، وهما - أعني ما بين الأيدي ، وما هو خلف ، غير مجتمع الوجود في هذا العالم المادّي ، فهناك مقام يجتمع فيه جميع المتفرّقات الزمانيّة ونحوها ، وليست هذه الوجودات وجودات غير متناهية الكمال غير محدودة ولا مقدَّرة وإلّا لم يصحّ الاستثناء من الإحاطة في قوله تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ » « 2 » .
جدير بالذكر : أنَّ هذه السماوات المعنويّة ذات الطابع الغيبي هي
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 7 ، ص 7 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 340 .