نسخ علّة الحكم المنسوخ أيضاً . فصلاة الآيات - مثلًا - لو قال لنا الشارع المقدَّس بأنّها واجبة لأنّها أمان للناس من الخطر ، فعلّة وجوبها هو كونها أماناً للناس ، فلو تصوّرنا مجيء ناسخ لوجوب صلاة الآيات فلابدَّ أن يكون ناسخاً لعلّة الحكم أوّلًا ، ثمَّ يكون ناسخاً لنفس الحكم ، فحقيقة النسخ تعني انتهاء الحكم المنسوخ بانتهاء أمده ، وانتهاء أمده يعني زوال مصلحته ، فيكون العمل به مع وجود الحكم الناسخ مفسدة .
وعليه فلكي تكون آيات الجهاد ناسخة لحكم نفي الإكراه في الدين فلابدَّ أوّلًا من نفي علّة الحكم المُدَّعى نسخه ، وعلّة الحكم كما هو المختار هو قوله تعالى : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، ومن الواضح جدّاً بأنَّ هذا التعليل باقٍ ما بقي الإسلام ، ومع بقاء العلّة لا معنى لانتفاء معلوله ، ولذلك لا تصلح أن تكون آيات الجهاد ناسخة .
قال الطباطبائي : « ويظهر ممّا تقدّم أنَّ الآية - أعني قوله : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ - غير منسوخة بآية السيف كما ذكره بعضهم ؛ ومن الشواهد على أنَّ الآية غير منسوخةٍ التعليلُ الذي فيها ، أعني : قوله : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ؛ فإنَّ الناسخ ما لم ينسخ علّة الحكم لم ينسخ نفس الحكم ، فإنَّ الحكم باقٍ ببقاء سببه ، ومعلوم أنَّ تبيّن الرشد من الغيّ في أمر الإسلام أمر غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف ، فإنّ قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، مثلًا ، أو قوله : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، لا يؤثّران في ظهور حقّية الدين شيئاً حتّى ينسخا حكماً معلولًا لهذا .
وبعبارة أُخرى : الآية تعلِّل قوله : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ بظهور الحقّ ،
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 87
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٨٧