ثمَّ إنَّ الإكراه إن كان تكوينيّاً ، فهو كما تقدَّم ، وإن كان تشريعيّاً فلا معنى له في المقام ، أضف إلى ذلك أنَّ الله تعالى لم تقتضِ حكمته إكراه أحد على شيء ، وإن كان سبحانه قادراً على ذلك ، ولكنّه سيكون مُفضياً لنقض فلسفة الثواب والعقاب ، فإذا لم يكن ذلك الإكراه مُنسجماً مع فلسفة الخلق وفلسفة الثواب والعقاب ولم يحصل الإكراه منه تعالى البتّة فمن البيِّن أن لا يصحّ صدور ذلك من غيره ، بل لا معنى لصدوره ؛ لعدم المكنة أوّلًا ، ولعدم الحكمة ثانياً ؛ قال تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( يونس : 99 ) ، أي : نحن القادرون على إكراه الناس على ذلك بسلطتنا التكوينيّة التي لا رادّ لها البتّة لم نقم به ؛ لبطلانه ونفيه للغرض ، فكيف بك وأنت لا تملك ذلك . وكأنَّ الهدف من وراء ذلك كلّه إلغاء أصل فكرة الإكراه من قاموسي الحركة التكوينيّة والتشريعيّة للشارع المقدسّ ، فالقادر لم يفعل وغير القادر عاجز عنه ؛ وأمّا المراد من المصداق الفعلي والحقيقي للدين في حدود هذا النصّ فإنّه ديننا المعروف الذي ارتضاه الله لنا ديناً دون سواه ، وهو إسلامنا العظيم « 1 » .
ويبدو أنّ السيّد الحيدري كانت له إجابة أخرى فضّل ذكرها في سياق تفسيره للتركيب الجملي ( قد تبيّن الرشد من الغي ) ، وما ذكره هناك هو :
إنَّ حقيقة النسخ لا تقتصر على نفي الحكم المنسوخ ، وإنّما لابدَّ من
هامش
( 1 ) مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 161 .