مسبقاً ، وبمقتضى ذلك يكون نبيّ الله يُوسف ( ع ) قد دخل في ملّة الكفر واعتقد بها ثمّ خرج منها ليتبع ملّة آبائه الأنبياء ( عليهم السلام ) ، ومن الواضح بأنَّ هذا باطل عقلًا ونقلًا ، فالنبيّ لا يجُتبى ويكون نبيّاً إلّا إذا كان مُفارقاً للظلم مطلقاً ، فضلًا عن الشرك الذي ليس بعده ظلم ، فليس بعد الشرك ذنب ، وعليه لا يكون تركه لملّة الكفر فرع دخوله فيها ، وخروجه منها بمعنى الرفع ، وإنّما هو ترك بمعنى الدفع ، وهو كما عرفت من معاني الإخراج الإلهي ، وما جاء في ذيل الآية الثانية قرينة لفظيّة على كون الترك بمعنى الدفع لا الرفع ، وهو قوله : مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، أي : لم يقع منهم الشرك طرفة عين أبداً .
ومن الواضح بأنَّ كلمة : ( مَا كَانَ ) تأتي لنفي الشأنيّة لا لنفي الفعليّة ، بمعنى أنَّ صدور الشرك مطلقاً ليس من شأنهم ( عليهم السلام ) ، ممَّا يعني أنَّ يوسف الصدّيق ( ع ) لم يكن بصدد نفي الفعل عنهم ، وإنّما عنى نفي الشأنيّة ، ونفي الشأنيّة يجعل الفعليّة سالبة بانتفاء الموضوع ، هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى : إنّه ( ع ) باستعماله ذلك أراد القول بأنَّ صورة الشرك أو التفكير به منفيّ عنه وعن آبائه ( عليهم السلام ) ، فالشأنيّة تُناسب الصورة الذهنيّة ، بخلاف الفعليّة فإنّها تناسب الصدور والوجود الخارجي ، وإذا انتفت الصورة الذهنيّة للشرك فلا معنى لتوقّعه خارجاً ، وهو من التعابير الدقيقة جدّاً ، التي أخفق في تجليتها الكثير ، ونجا في تصويرها القليل ؛ وله سبحانه المنّة وحده في ذلك ؛ علماً بأنَّ هنالك مواضع قرآنيّة كثيرة تتّفق مع
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 79
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٧٩