وأمّا معنى الشفاعة فمن الواضح أنَّ المعنى الاصطلاحي لأيّ مفردة لا يأتي بعيداً عن المعنى اللغوي لها ، من هنا تأتي أهمّية المعاني اللغويّة للمفردات لأنّها تعدّ البذرة التي تبلور المعنى الاصطلاحي ؛ ممّا يسهّل بناء النظريّة على نحو منسجم لا تتعارض فيه المعاني اللغويّة والاصطلاحيّة . بناءً على ذلك نجد أنَّ المعنى اللغوي للشفاعة بقي محفوظاً في الاستعمال الاصطلاحي أيضاً ، وهنا يُوجد استعمالان : الأوّل هو المتعارف والمستخدم في المجتمعات العقلائيّة ، والثاني هو الذي ورد في القرآن الكريم وروايات النبيّ الأكرم ( ص ) وأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهذان الاستعمالان وإن اشتركا في المعنى اللغوي ، إلّا أن مصداق أحدهما غير الآخر ولا علاقة له به ، فالشفاعة العقلائيّة تختصّ بالأمور العرفيّة والاجتماعيّة ، ولا علاقة لها بالأمور التكوينيّة ، كما أنّها لا تخضع لضابطة محدّدة بلحاظ ضوابط عالمَي التشريع والتكوين ، بل هي قائمة على أساس الوجاهة أو الرابطة الخاصّة من قربى أو بذل مال أو غير ذلك من الأمور التي تؤثّر على الحاكم أو من بيده تحديد القرار ، فيعفو عن المذنب الذي لا يستحقّ العفو ويعطي غير المستحقّ ما لا يستحقّه ؛ وأمّا الشفاعة التكوينيّة في اصطلاح القرآن فإنّه يُراد بها توسّط العلل والأسباب بينه تعالى وبين مسبّباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها ، فكلّ سبب من الأسباب يشفع عند الله لمسبّبه بالتمسّك بصفات فضله وجوده لإيصال نعمة الوجود إلى مسبّبه ، فنظام السببيّة بعينه ينطبق على نظام الشفاعة .
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 72
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٧٢