جهة أُخرى ، هذا من حيث بُناه التركيبيّة ، وأمّا من حيث صلته بما تقدَّم من المقطعين السابقين فإنّها علاقة صميميّة ، كما ستعرف ، فهو مقطع فعَّال جدّاً ، ويُشكِّل لنا محصّلة نهائيّة لكلّ ما تقدَّم في بحوثنا في هذه الآية الكريمة .
إنه مقطع معرفيّ خالص ، وإن كان لا يتبادر منه ذلك لأوّل وهلة ، والّذي يُساعد على عدم التبادر هذا هو تعاطي الأعمّ الأغلب من المصنَّفات التفسيريّة له ، التي لا تكاد أن تتجاوز حدود التفسير المفرداتي ، مع أنَّ الحقيقة الماثلة أمام كلّ مفسِّر محُقِّق هي غير ذلك ، فإنَّ فيه من البحوث ما يُمكن أن تُبيِّض به مجلّداً كاملًا ، أو أكثر من ذلك ، وليس في ذلك عجب يُذكر ، بعد أن اتّضح أن لبسملة الكتاب وحدها ما يفوق التصوّر من المطالب المعرفيّة والفكريّة والمعنويّة ، فعن أمير المؤمنين علي ( ع ) أنّه قال :
« لو شئت لأوقرت من تفسير الفاتحة سبعين بعيراً » « 1 » ،
وفي رواية أُخرى عنه ( ع ) أنّه قال :
« لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من باء بسم الله الرحمن الرحيم » ( « 2 »
) ولكنَّ :
« أهل الجهل كثير ، وأهل العلم قليل » « 3 » ،
فكيف يُملي عليهم ذلك وفيهم من لا يعرف معنى الخيط الأبيض من الأسود ، والآية تُفسِّرها ، وفيهم من لا يعرف معنى كلمة الأبّ ، وقرينة تفسيرها معها ، وغير ذلك ؟ !
هامش
( 1 ) ينابيع المودّة : ج 1 ، ص 214 .
( 2 ) عوالي اللآلئ : ج 1 ، ص 205 .
( 3 ) الفروع من الكافي : ج 1 ، ص 205 ح 1 .