الصور الباطنيّة للسموات والأرض
إنَّ للسماوات بُعداً معنويّاً يتعلَّق بمقام القرب من الله تعالى ، فالسماء من الرفعة والعلوّ ، والرفعة والعلوّ في فلسفة الكمالات الإلهيّة تعني السير باتّجاه القرب الإلهي ، كما أنَّ الأرض تُشير إلى التسفّل والخلود إلى الأرض والدسّ في التراب ، ولذلك فإنّه سبحانه عندما ينصّ على كون السماوات والأرض ملكاً له ، فذلك يُدلِّل على أنَّ مقام القرب منه ملك له أيضاً ، بمعنى أنَّ طالب القرب منه لا ينال شيئاً من ذلك بغير إذن منه ، لأنَّه بطلبه هذا يرمي للدخول في ملكه سبحانه ، وإن كان العبد في أصل كينونته داخلًا في ملكه ، إلّا أن تحوّله من مقام إلى آخر بحاجة إلى إذن من المالك الحقيقي ، وهكذا في مقام التسفّل والخلود في الأرض فإنَّ الإنسان لا يملك ذلك بشكل مستقلّ حتّى وإن اختاره ، فلا يقع منه ذلك إلّا بإذنه تعالى وإرادته ، دون أن يلزم منه الجبر ، وقد تقدّم توضيح ذلك في موارد عدّة من هذه الدراسة ودراسات سابقة .
ومنه تفهم قوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ( فاطر : 8 ) ، هذا فيما يتعلَّق بالهداية العامّة ، ولا ريب بأنَّ الأمر يشتدّ ويتأكَّد أكثر عند طلب الهداية الخاصّة ، المتعلِّقة بولاية أهل البيت ( عليهم السلام ) ، الُمعبَّر عنهم بالصراط الُمستقيم بلحاظ حقيقتهم الواحدة ، وهم سُبل السلام بلحاظ تعيّناتهم الخارجيّة ، فذلك الاهتداء هو الأكثر عناية ورعاية ، فليس هنالك نعمة أعظم من نعمة معرفة المكلَّف إمام زمانه ، فإسلامه وإيمانه بالله تعالى والرسول لا يكفيان لتتميم