عاجزون جدّاً عن رصد ما سيصل إليه ؛ لما عرفت من امتداديّة العلم والمعرفة .
المقدَّمة الثانية : قد مرَّ بنا أنَّ من خصائص الشفيع الحقيقي أن يكون عارفاً بربّه ، وعارفاً بالُمشفَّع له أيضاً ، وهذه المعرفة الثنائيّة قد يُلحظ فيها أنّها ذات مساحة كبيرة ، لأنّها شملت الخالق والمخلوق معاً ، فجاء الإرشاد القرآني إلى أنَّ ذلك العلم وتلك المعرفة على ثنائيّتها فهي محدودة بعلمه تعالى ، فهو سبحانه يعلم بعلمهم الفعلي : ما بَيْن أَيْدِيهمِ ، والامتداديّ القادم : وَمَا خَلْفَهُمْ ، بل إنَّ علمهم ومعرفتهم ، حتّى وإن اخترق الحُجب السبعة ، مُتوقِّف على مشيئته سبحانه ، كما هو واضح في الفقرة اللاحقة .
إذن ، فباطنيّة الإحاطة العلميّة لله تعالى بعلم الشفعاء علَّتها إعطاؤها لهم ، فإحاطته ذاتيّة على سعتها وإطلاقها ، وإحاطتهم عرضيّة على جزئيّتها ومحدوديّتها ، وبين الذاتيّة والعرضيّة ، والإطلاق والتقييد ، تنجلي بعض الحدود ، وتتجلَّى صفحات من البطون .
هذا فيما إذا قلنا بعود الضمير : « هم » إلى الشفعاء ، وأمّا إذا عمَّمنا ذلك إلى الشفعاء والمُشفَّع لهم ، وهو ليس ببعيد ، أو عمَّمنا ذلك للناس أجمعين ، فإنَّ الإحاطة بالشفعاء حاصلة بالأولويّة ، وظاهر النصّ انصراف الضمير للشفعاء ، بل هو الموافق للسياق ، إلّا أنَّ القرينة في قوله : لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ تُساعد على الشمول أيضاً ، وأمّا بحسب القرائن الخارجة عن النصّ ، عقليّة أم نقليّة ، فإنّها حاكمة
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 170
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٧٠