تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، فهو غفور عن اليمين الغموس بعد الاستغفار منه ، وحليم بعدم تعجيل العقوبة على الذنب ، فيكون المُؤدّى أنّ المتعلّق الأوّل - كما فهمه معظم المُفسّرين - مجرّد تحصيل حاصل ، وأمّا المتعلّق الثاني - الذي لم يُلتفت له - فهو ما يليق بساحة فيضه وقدسه ، حيث يدعوهم للاستغفار من تلك اليمين المقصودة ، وهذا هو معنى المؤاخذة ، شرط أن لا يلزم منه انتهاك فعليّ ، بمعنى لزوم السخرية والاستهزاء من ذلك . وهكذا الحال في المقطع الأوّل من آية الكرسي ، وهو قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( البقرة : 255 ) . فإنَّ جميع المضامين المُتقدّمة ذات صلة وثيقة بالْعَلِيّ الْعَظِيم ، فُعُلُّوه عن أحكام الإمكان بأسره جرَّده ونزَّهه عن النقص المُلازم للسنة والنوم ، والعلمُ المطلق فلا يعزب عنه شيء ، والإحاطةُ التامّةُ فالكلّ حاضر لديه ، والحفظ الكامل بلا ضعف ولا فتور ، كلّ ذلك يقتضي أن تكون مُتفّرعة على الْعَليّ الْعَظِيم . قال الطباطبائي : « ومحصّل ما تفيده الآية من المعنى : أنَّ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ له كلّ الحياة وله القيّوميّة المطلقة من غير ضعف ولا فتور ، ولذلك وقع التعليل بالاسمين الكريمين : العليّ العظيم ، فإنّه تعالى ؛ لعلوّه لا تناله أيدي المخلوقات فيوجبوا بذلك ضعفاً في وجوده وفتوراً في أمره ،
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 150 | السيد كمال الحيدري