تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وبتوبته عفا عنه ، فالمقام مقام رحمة وتوبة ، وليس مقام تعنيف وشدّة ، هذا من حيث العلاقة والحاكميّة ، وأمّا من حيث التنظيم والترتيب فإنَّ الاسمين قد أجملا ما تقدَّم ، وهذا واضح . ثانياً : قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( المائدة : 38 ) ، فإنَّ الأمر بقطع اليد يحتاج إلى جهة قويّة لا يُعيقها شيء أبداً ، وهذه الصفة تعني العزّة في المقام تحديداً ، وحيث إنَّ مثل هذا الحكم الدقيق والخطير يحتاج إلى جهة لا تُخطئ أبداً ، تُقّدر الأشياء بالمثاقيل ، وهو مُقتضى الحكمة ، فاحتاج الأمر إلى العزّة والحكمة ، وهكذا خُتمت الآية بذلك ؛ إذ ليس من المُناسب أن تُختم بالتوّاب الرحيم ، كما هو واضح . ثالثاً : قوله تعالى : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( البقرة : 225 ) ، وفِي أَيْمَانكِم أي : في حلفكم وأقسامكم ، من قبيل : ( والله ، تالله ) ، فإن كان بقصد بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ فهو قسم شرعيّ ويترتّب عليه أثر ، وإن كان بغير قصد فهو لغو ، وهنا تُعالج الآية النوع الثاني منهما ، حيث تُبيّن الحكم الشرعي بعدم المؤاخذة على ذلك ، ولكنّه أمر غير مرغوب به أبداً ، ونظراً لتوقّع تكراره فاحتاج الأمر إلى الحلم الكبير ، فجاءت صيغة المبالغة بمفردة : « الحليم » ، فالغفور لأمر جائز في نفسه غير مرغوب فيه ، والحليم لتكرار الفعل ، وهذان الأمران ينسجمان تماماً مع عدم المؤاخذة ، ولا يبعد أن يكون مُتعلَّق الغفور الحليم هو القسم الواقع بقصد ، أي :
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 149 | السيد كمال الحيدري