وجنَّب الُمستدلّ الخوض في إبطال الدور والتسلسل ، فهو أشرف وأوثق وأخصر لذلك كلّه ، على حدّ تعبير الحكيمين السبزواري والآملي « 1 » ، إذن فهو الطريق الأمثل في سلسلة البراهين الحصوليّة الذي ينطلق من الواجب نفسه لإثبات الواجب .
إنَّ هذه الكلمات اليسيرة - على وضوحها - بحاجة ماسّة إلى التأمّل والتدقيق ، ولذلك فإنَّ برهان الصدّيقين ليس برهان مقدّمات وإنّما هو برهان تأمّلات ، حيث التأمّل بالوجود وأصالته لإثبات واجبيّته ، فلا حاجة للوسائط والمقدّمات ما دام هو الحاضر وهو الدليل على نفسه ؛ وقد أشار أمير المؤمنين علي ( ع ) إلى ذلك بقوله : « هو الدالّ بالدليل عليه والمؤدّى بالمعرفة إليه » « 2 » ، أي : « إنّه تعالى هو الدليل يدلّ الدليل على أن يدلّ عليه ، ويؤدّي المعرفة إلى أن يتعلّق به تعالى نوع تعلّق لمكان إحاطته تعالى وسلطانه على كلّ شيء ، فكيف يمكن لشيء أن يهتدي إلى ذاته ليحيط به وهو محيط به وباهتدائه » « 3 » .
فإذا كان سبحانه كفيلًا بتعريف نفسه ، فكيف يُستدَلّ بغيره عليه ولكنَّ الأمر يحتاج إلى التفات وانتباه ، وإلى قلب يقظ يُصدّق بذلك ، وهذا أمير المؤمنين علي ( ع ) يُسأل : بمِ عرفت ربَّك ؟ فيُجيب بثبات ويقين :
« بما عرَّفني نفسه » « 4 » ،
وربما لو سأله السائل : كيف أعرف ربّي ؟ لأجابه :
هامش
( 1 ) درر الفوائد للشيخ محمّد تقي الآملي : ج 1 ، ص 429 .
( 2 ) الاحتجاج : ج 1 ، ص 299 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 6 ، ص 102 .
( 4 ) أصول الكافي : ج 1 ، ص 85 ، ح 2 .