تتحدّث عن الغاوين أيضاً ، لأنّها تتميم للآية السابقة ، ولكنّها هنا تُسجِّل صفات جديدة ، أبرزها الخلود إلى الأرض وإتّباع الهوى ، ومعنى الخلود إلى الأرض هو التنصّل عن قيم السماء ، لأنَّ القيم السماويّة جاءت لتنقذ الإنسان من حاكميّة عالم المادّة وليس القضاء على المادّة ، فذلك محال ومخالفة شرعيّة أيضاً ، وإنّما المطلوب هو أن لا تكون عبداً للمادّة ، لك أن تتملَّكها فيكون لك حُسن المآب ، لا أن تتملَّكك فتسوء العاقبة ؛ قال تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( آل عمران : 14 ) . ولذلك قالوا بأنَّ الزهد لا يعني أن لا تملك شيئاً ، وإنّما أن لا يملكك شيء من دون الله تعالى ، فإذا ما كنت كذلك كنت من الراشدين ، وذلك هو الخُلق الوقائي من الأسى على حُطام الدنيا ؛ قال تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( الحديد : 23 ) .
وأمّا المقطع الأوّل من آية الكرسي فإنّه يُشير إلى حقيقة مهمّة من خلال بيانيّة الرشد من الغيّ ، وهي حقيقة توفِّر جميع الأسباب المُخرجة من دوائر الغفلة ، ليكون الإنسان على مُفترق طرق وهو مُستوعب لمِا وصل إليه من البيانات القرآنيّة والسنةّ الشريفة ، فيُخيِّر نفسه بين سلوك طريق الراشدين المتمثّل بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى ، أو يسلك طريق الغاوين المُفضي إلى الانسلاخ من آيات الله تعالى الواصلة إليه والكينونة في بُؤر الشيطان .
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 127
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٧