فكيف يكون للمعلول من كمال ما ليس لعلّته التامّة ، وقد ثبت في جميع المباني الفلسفيّة أنَّ كلَّ كمال وجوديّ ثابت للمعلول فهو ثابت لعلّته التامّة وبأعلى المراتب ، فيكون انتفاء السنة والنوم عن الملائكة دليلًا على انتفائه عن الله سبحانه ، بل انتفاؤه عنه ثابت بالأولويّة ؛ ولو أمكن عروض السنة والنوم عليه سبحانه لتفرَّدت الملائكة بكمال لا منشأ له ، وهو باطل .
وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ( آل عمران : 5 ) ، وعدم الخفاء لازمه عدم عروض مطلق الفتور عليه ، بما في ذلك السنة والنوم ، وإلّا لخفي عنه كلّ شيء مقدار ما وقع عليه من سنة أو نوم ، ففي الآية إشارة إلى أنَّ من أسباب انتفاء السنة والنوم عنه خاصّةً هو عدم خفاء شيء عليه في الأرض والسماء في الدنيا ، كما في الآية ، وفي الآخرة أيضاً ، كما في قوله تعالى : يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( غافر : 16 ) .
وقوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ( الحشر : 22 ) ، فإنَّ مقتضى سرمديّة وهيمنة علمه على الوجود بأسره ، الذي لُوِّح إليه بالغيب والشهادة : أن لا يعتريه أمرٌ يغِّيبُه عن ذلك ، بل ولا يُتصوَّر ذلك في حقِّه البتّة ، ومن هنا قلنا بأنَّ نفي السنة والنوم الوارد في المقطع الثالث من آية الكرسي كان بصدد نفي الشأنيّة لانتفاء الفعليّة بالضرورة ، فنفت ما يُمكن توهّمه في حقِّه .
وقوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ
آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 123
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٣