وقوع التنافي بين معنى سابق وآخر لاحق ، وسيأتي التفصيل في ذلك .
2 . إنَّ الخطاب القرآني قد لاحظ أعلى مستويات الكمال التي يُمكن أن يصل إليها الإنسان ، وإنه في كلّ ذلك سوف يبقى غضّاً ، ممّا يعني بالضرورة وقوع التجدّد في معانيه ، فنحن المتأخّرون قد اطّلعنا على تفاسير المُتقدّمين وهي تحكي لنا معانيه الظاهرة لهم آنذاك ، ولكن غضاضة ما قالوه تآكلت فعاد التكرار سَمتها وسِمَتها ، فلم يبقَ من جديد ومن غضاضة غير أصل الكلام المُنبئ بخفاء معانيه ، وفي ذلك إشارة خفيّة لطيفة إلى ضرورة التجدّد في المعطيات التفسيريّة ، بل لابدّ من إيجاد منظومة جديدة في التفسير تُؤكّد لنا أنّ القرآن هو في كلّ زمان جديد ، أي في كلّ زمان له معانٍ جديدة تنبثق عن الأصل ، وتلتقي مع الفروع في جذرها المُتأصّل في عالم القرآن الأوّل المسمّى بعالم الخزائن .
من هنا نفهم كلمة أمير المؤمنين علي ( ع ) التي يصف القرآن الكريم فيها بأنّه :
« لا تخلقه كثرةُ الردّ وولوجُ السمع » « 1 » ،
فهو جديد في قراءته وفي الاستماع إليه وفي فهمه أيضاً ، يأتي يوم القيامة - كما جاء في الأثر - بكراً ، وما ذلك إلّا كناية عن عجز المتصدِّين لتفسيره عن الإحاطة به أو سبر غوره ودرك مراتبه الأربع ، وأنّى لهم ذلك وقد تجلّى الله تعالى بكماله وجماله وجلاله فيه ، فمن أراد الوقوف على كلّ معانيه لابدّ له من الرقيّ والخروج من عالم الرقيقة إلى عالم الحقيقة ، وأن ينتفي كلّه في الكلّ فيصير مرآة حاكية ، تحكي ما انعكس فيها بقدر ما له من اليقظة والصحو .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 9 ، ص 203 خطبة ( 156 ) .