تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آية الكرسي (تفسيراً وتأويلا) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
بالشيء لتحقيق الإحاطة به ، فالإحاطة أمر تحضر فيها جميع تفاصيل المعلوم لدى العالم به ، ولعلَّ لأجل ذلك أُوقفت الشفاعة التكوينيّة أو الشفاعة الأعمّ من ذلك على إذن تكوينيّ منه سبحانه ، في حين أُوقف العلم الإحاطي على مشيئته تعالى . وهنالك دلالة أُخرى يفرضها مدلول كلمة : ( من ) ، مُلتصقة بتنكير الشيئيّة ، وهي البعضيّة ، فقوله : ( مِن عِلمِه ) تُفيد بعض علمه ، وهذا يعني أنَّ ذلك الشيء القليل الضئيل من علمه لا يُمكن تحصيله إلّا بمشيئة منه ، وأمّا نفس علمه المطلق فلا طريق له ، فالفقرة لم تُوقف إفاضة علمه المطلق على مشيئة منه ، فذلك سالب بانتفاء موضوعه ، وموضوعه استعداد المُتلقّي ، ولا يُوجد مُطلق غيره ، فانحصر الإطلاق به تعالى ، وفي مجموع هذه الدلالات مضامين أخلاقيّة وتربويّة عالية ، منها طلب الكفّ عن ادِّعاء العبقريّة في تحصيل العلم ما دام كلّ ما نتحصَّل عليه مُفاضاً منه تعالى ، ومنها أن ييأس أحد من قدراته الضعيفة في التحصيل فذلك ليس العلّة في التحصيل ، إنّما علّته الحقيقيّة نفس الإفاضة الإلهيّة ، وكم من مثل تأريخيّ ومعاصر عزَّ عليه العلم ولم يُفلح معه التعليم لسنوات طوال ، وإذا به بعد حين يكون من الأعلام فضلًا عن العلماء والمتعلّمين ، وقد ورد عن الإمام الصادق ( ع ) فيما قاله لعنوان البصري : « ليس العلم بكثرة التعلّم ، وإنّما هو نور يقذفه الله تعالى في قلب من يريد الله أن يهديه » « 1 » .
هامش
( 1 ) منية المريد في آداب المفيد : ص 67 ، ومنطق فهم القرآن : ج 2 ، ص 286 - 287 .