الفصل السادس : عرضٌ وردّ
وحاصلُها أنّ جميعَ الماديّاتِ والزَّمانيَّاتِ وإنْ كانتْ في أنفسِها وبقياسِ بعضِها إلى بعضٍ مفتقرةً إلى الأمكنةِ والأزمنةِ والأوضاعِ الموجبةِ لحجابِ بعضِها عن بعضٍ ، لكنّها بالقياسِ إلى إحاطةِ علمِ اللهِ تعالى إليها علماً إشراقيّاً شهوديّاً وانكشافاً تامّاً وجوديّاً في درجةٍ واحدةٍ من الشهودِ والوجودِ ، لا سبقَ لبعضِها على بعضٍ مِن هذه الحيثيّةِ ، فلا تجدُّدَ ولا زوالَ ولا حدوثَ لها في حضورِها لدى الحقِّ الأوّلِ ، فلا افتقارَ لها في الشهودِ
إلى استعداداتِ الهيولانيّةِ وأوضاع جسمانيّةٍ ، فحكمُها من هذه الجهةِ حكمُ المجرّداتِ عن الأمكنةِ والأزمنةِ ، فالأقدمونَ مِنَ الحكماءِ ما راموا بالمثُلِ المفارقةِ إلَّا هذا المعنى دونَ غيرِه لئلَّا يرِدَ عليهم المحذوراتُ الشنيعةُ المشهودة .
ولكَ أنْ تقولَ : بعد تسليمِ أنَّ الأشخاصَ الكائنَة التي وجودُها ليس إلَّا وجوداً ماديّاً صحَّ كونُها مجرّدةً باعتبارٍ آخر ، لكن لا ريبَ في أنّها متعدّدةٌ في وجوداتِها ، والمنقولُ عن الأفلاطونيّينَ من أنّ لكلِّ نوعٍ جسمانيٍّ فرداً مجرَّداً أبديّاً ، دالٌّ على وحدتِها كما يدلُّ على تجرّدِها ، كيف والتجرّدُ أيضاً مستلزمٌ للوحدةِ كما بُرهِنَ عليه ، فحمْلُ كلامِهِم على ذلك المعنى في غايةِ البُعد .