الفصل الثالث : المثل الإفلاطونية عند العلّامة الخفري
وبيّنَ ذلك بعضُ المتأخّرينَ حيث قالَ : إنَّ في عالمِ الحسِّ شيئاً محسوساً مثلَ الإنسانِ مع مادَّتهِ وعوارضهِ المخصوصةِ ، وهذا هو الإنسانُ الطبيعيُّ ، ولا شكَّ في أنْ يتحقّقَ شيءٌ هو الإنسانُ منظوراً إلى ذاتِه من حيثُ هو هو ، غيرَ مأخوذٍ معه ما خالطَهُ مِنَ الوحدةِ والكثرةِ وغيرِهما من الأعراضِ الزائدةِ على الإنسانيّةِ ، وهو المعنى الذي يُحمَلُ على كثيرين من زيدٍ ، وعمرٍو ، والإنسانِ المجرَّدِ عَنِ العوارضِ الشخصيّةِ بالتشخُّصاتِ العقليّةِ ، فحينَ يحمِلُ العقلُ الإنسانَ على زيد وعمرٍو يلتفتُ لا محالَةَ إلى معنىً مجرَّدٍ مِنَ العوارضِ الغريبةِ حتّى إنّه مجرّدٌ عَنِ التجرُّدِ والإطلاقِ ، فهذا المعنى له وجودٌ لا محالةَ ، فإمَّا أنْ يكونَ ذلك الوجودُ في الخارجِ أو في
العقلِ . وعلى الأوّلِ لزم أن يكونَ المشخِّصُ عارضاً خارجيّاً مؤخَّراً عَنِ الماهيّةِ في الوجودِ ، فتعيّنَ الثاني ، فتعيّنَ كونُه موجوداً في العقلِ متشخّصاً بتشخُّصٍ عقليٍّ بحيثُ يمكنُ أن يُلتَفتَ إليه بدونِ الالتفاتِ إلى تشخُّصِهِ ، وهذا المعنى جوهرٌ لحملِه على الجواهِر حملًا اتّحاديّاً فيثبتُ بذلك وجودُ جواهرَ عقليّةٍ في العقولِ تكونُ تلك الجواهرُ ماهيّاتِ الموجوداتِ الخارجيّةِ ، وهذا هو بعينِه مذهبُ إفلاطونَ .
فإنْ قيلَ : المشهورُ أنّ إفلاطونَ أثبتَ الجواهرَ العقليّةَ في الأعيانِ بحيثُ