الفصل الثاني : تأويل الفارابي
وقالَ المعلّمُ الثاني في كتابِ الجمعِ بين رأيَيْ إفلاطونَ وأرسطو : إنّه إشارةٌ إلى أنَّ للموجوداتِ صوراً في علمِ اللهِ تعالى باقيةً لا تتبدّلُ ولا تتغيّرُ .
الشرح
لكي نقف على حقيقة تأويل المعلِّم الثاني ( رحمة الله عليه ) لا بأس بإيراد كلامه في الكتاب المشار إليه وهو كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين ، حيث قال : « . . . لمّا كان الله تعالى حيّاً موجداً لهذا العالم بجميع ما فيه ، فواجب أن يكون عنده
صور ما يريد إيجاده في ذاته ، جلَّ الله من اشتباه .
وأيضاً ، فإنّ ذاته ، لمّا كانت باقية لا يجوز عليه التبدّل والتغيّر ، فما هو بحيّزه أيضاً كذلك باقٍ غير داثر ولا متغيّر ، ولو لم يكن للموجودات صور وآثار في ذلك الموجد الحيّ المُريد ، فما الذي كان يوجده ؟ وعلى أيّ مثال ينحو بما فعله ويبدعه ؟ أما علمت أنّ من نفى هذا المعنى عن الفاعل الحيّ المريد لزمه أن يقول بأنّ ما يوجده إنّما يوجده جزافاً . . . ولا ينحو نحو غرض مقصود بإرادته ، وهذا من أشنع الشناعات .
فعلى هذا المعنى ينبغي أن تعرَف وتصوَّر أقاويل أُولئك الحكماء في ما أثبتوه من الصور الإلهيّة لا على أنّها قائمة في أماكن أُخر خارجة عن هذا العالم ، فإنّها متى تصوّرت على هذا السبيل ، يلزم القول بوجود عوالم غير