صدر المتألّهين في إدراك الكلّيات أنّه بمشاهدة النفس للمُثُل النوريّة ، ولكن عن بعيد . . . وعندنا : الكلّيات لمن أمكنه إدراكها على ما هي عليه عنوانات وعكوس من المُثُل في مرآة قلبه ، إذ كما أنّ للنفس رَوازِنَ إلى عالم الملك والملكوت ، كذلك له روزنة إلى عالم الجبروت ، ولها وجودات لأنفسها ووجودات لأنفسنا . . . » « 1 » .
إذن ومن خلال ما سمعت تجد أنّ للمثل دوراً هامّاً في إدراك المفاهيم الكلّية التي تأخذ حيّزاً ممتدّاً في طول وعرض مساحة المعرفة البشريّة ، ومثل هذا المذهب في إدراك الكلّيات يقف في قباله مذهب آخر للمشّاء يبيّن فيه كيفيّة إدراك هذا السنخ من المعقولات ، حيث يُقال بالتجريد والانتزاع ، « وحقيقة التجريد والانتزاع قائمة على سلب العقل الخصوصيّات والمشخّصات عن الأفراد ، واستخراج القدر المشترك بينها . مثلًا : إنّ زيداً وعمراً وبكراً متميّزون في جهات شتّى من الطول والقصر والبياض والسواد وسائر الإضافات ، ومع ذلك يدرك العقل أنّ بينها اشتراكاً في أمر يفصلها عن سائر الأنواع ، وهو المسمّى بالإنسانيّة ، فينتزع هذا المفهوم
الكلّي بعد تجريد تلك الأفراد من المشخّصات » « 2 » .
ارتكاز البراهين على المثل : رأيت في ما تقدّم أنّ الكلّيات التي هي مفاهيم تصوّرية يعتمد إدراكها على الاعتقاد بوجود المثل النوريّة ، وهاهنا ستجد دائرة الاعتماد عليها تتّسع حتّى تشمل الإدراكات التصديقيّة الكلّية التي يُتوصّل إليها من خلال إعداد البرهان . وقد وجدت في توضيح آليّة
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ج 5 ص 294 .
( 2 ) نظريّة المعرفة ، محاضرات الأستاذ الشيخ جعفر السبحاني ، بقلم الشيخ حسن محمّد مكّي العاملي ، الناشر : المركز العالمي للدراسات الإسلاميّة ، الطبعة الأولى ، 1411 ه : ص 147