متوجّهة إلى داخله ، وظهورهم إلى باب ذلك الغار ، ولا يمكنهم الاستدارة أيضاً ، وأنّ هناك ناراً خارج الغار على بابه يدخل ضوؤها إلى داخل الغار ، وأنّ هناك من يمرُّ من أمام النار ، تارةً يمرّ إنسان ، وأخرى فرس ، وثالثة
جمل ، لا شكّ أنّ خيال هذه الأمور سوف يدخل إلى الغار ، وسوف يراه هؤلاء القاعدون على هذه الوضعيّة منذ أن ولدوا في هذا الغار ، ولا يساورهم شكّ في أنّ هذه الأمور التي يرونها حقيقيّة .
ثمّ إذا ما أفرج عن هؤلاء ، والتفتوا إلى ما وراءهم علموا أنّ ما كانوا يرونه ليس إلّا أموراً كانت تحكي عن حقائق ما كان يمرُّ أمام النار ليرتسم خياله في ذلك الغار .
إذن فما نراه في هذه النشأة إنّما هو بمثابة حواكٍ عن الحقائق التي لا تفنى ، ولاتتغيّر ، ولا تدثر .
ثمّ يقتبس المطهّري روح هذه الفكرة ليعرضها بمثال من وحي العصر ، فيفرض أنّ أطفالًا كبروا في مكان واسع كبير ، ولم يروا ما في خارج هذا المكان بتاتاً ، وقد وضعت أمامهم شاشة سينمائيّة تبثّ لهم الأفلام بدون انقطاع ، يرون صحراء ، ويرون غابة ، ويرون إنساناً ، وأشياء أخر غير ذلك ، فإنّهم سوف يعتقدون أنّ ما يرونه ما هو إلّا الحقيقة ، وليس شيئاً آخر ، بل لا يساورهم الشكّ في ذلك . ثمّ يخرجون خارج ذلك المكان ليروا الغابة ، والصحراء ، والإنسان ، لا شكّ أنّهم سيرون رأياً آخر غير الذي كانوا يرونه لمّا كانوا في ذلك المكان .
المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 306
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٠٦