تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
وقلّت إفاضة القوّة منها على البدن لانصرافها عنه إلى جانب آخر ضعف البدن وقواه ، ونقص وذبل ذبولًا طبيعيّاً حتّى إذا بلغت غايتها في الجوهر ومبلغها من الاستقلال ينقطع تعلّقها عن البدن بالكلّية وتدبيرها إيّاه وإفاضتها عليه فيعرض موت البدن . . . » « 1 » . إذن لمّا وصلت النفس إلى مرحلة من الاشتداد والقوّة استقلّت عن البدن وتخلّت عنه ، فهو المطيّة التي امتطتها للوصول إلى ذلك الاستقلال ، إذن فليتعامل مع البدن بما هو آلة ووسيلة لا بما هو هدف .

الأمر الثاني : نصيحة فيها أمرٌ بمعروف ونهيٌ عن منكر

أمّا المعروف الذي أمر به وحضَّ عليه فهو الاجتهاد والسعي الدؤوب في طلب الغنى الأبدي الذي خُلق الإنسان وجعل في هذه النشأة من أجل الحصول عليه ، وقد جعلت هذه النشأة وما فيها ، ومن جملة ما فيها هذا الجسد والهيكل الذي شاء له خالقه أن يكون آلة ووسيلة توصل الإنسان إن أراد إلى ما خُلق لأجله ، فلابدّ من استعماله في ذلك ما دام صالحاً للقيام بالوظيفة التي أُنيطت به ، وهذا يوجب على الإنسان الاهتمام بهذه الوسيلة والعناية بها حتّى تعينه على تحقيق ما يريده من خلالها ، وخلاصة هذا الأمر هو أن يتعامل الإنسان مع هيكله الجسداني معاملة الآلة ، وما به ينظر . وأمّا المنكر الذي نهي عنه فهو النظر إلى ذلك الهيكل بمنظار ما فيه ، وأنّه الغاية والهدف ، فإنّ الاحتياج إلى هذا البدن ليس دائميّاً ، إذ الإنسان مسيّر إلى نشأة لا يخدمه فيها هذا البدن ، فلو أنّ إنساناً توهّم ذلك ، وعلّق الآمال على هذا البدن ، وعلى خدمته فإنّه سيفاجأ بخلاف ذلك ، ويكون أسير
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 9 ص 52 51 .