الفصل الثالث : تنويرٌ رحمانيّ
إنّ الباريَ جلَّ ثناؤهُ بمقتضى رحمتهِ ولطفِه جعلَ الأمورَ الجسمانيّةَ المحسوسةَ كلَّها مثالاتٍ دالَّاتٍ على الأمور الرَّوحانيّةِ العقليّةِ ، وجعلَ طريقَ الحواسِّ دُرجاً ومراقيَ يُرتقى بها إلى معرفةِ الأمورِ العقليّةِ التي هي
الغرضُ الأقصى في وقوع النّفسِ في دار المحسوساتِ وطلوعِها عن أُفقِ المادّيّات ، وكما أنَّ المحسوساتِ فقراءُ الذَّواتِ إلى العقليَّاتِ ، لكونِها رشحاتٍ لأنوارِها ، وأظلالًا لأضوائِها ، فكذلك معرفةُ الجسمانيّاتِ المحسوسةِ هي فقرُ النّفسِ وشدَّةُ حاجتِها ، ومعرفةُ الأمورِ العقليّةِ هي غناؤُها ونعيمُها ، وذلك أنّ النفسَ في معرفةِ الأمورِ الجسمانيّةِ محتاجةٌ إلى الجسدِ وآلاتِهِ لتدركَ بتوسُّطِها الجسمانيّاتِ ، وأمّا إدراكُها للأمورِ الرّوحانيّةِ فيكفيها ذاتُها وجوهرُها بعدما يأخذُها من طرق الحواسّ بتوسُّطِ الجسدِ ، فإذا حصلَ لها ذلكَ وصارت عقلًا وعاقلًا بالفعلِ فقد استغنَتْ عن الحواسّ والتعلّقِ بالجسدِ .
فاجتهد يا حبيبي في طلبِ الغنى الأبديِّ بتوسُّطِ هذا الهيكلِ وآلاتِه ما دام يمكنُك قبلَ فناءِ المدَّةِ وتصرّمِ العمرِ ، وفسادِ الهيكلِ وبطلانِ وجودِه ، واحذر كلَّ الحذرِ أنْ تبقى نفسُك فقيرةً محتاجةً إلى هيكلٍ لتنعَم به وتكملَ ، فتكونَ ممّن يقولُ : ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَنَعْمَل صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) أو تبقى في البرزخِ إلى يومِ يبعثُونَ ، ومن أينَ لهم أنْ يشعروا