تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
إلّا الأمور الروحانيّة العقليّة التي لا سبيل للدثور والزوال إليها ، والإنسان يميل بفطرته إلى الخلود والبقاء ويؤلمه الدثور والفناء . 2 وبما أنّ الوصول إلى الروحانيّات لا يتمّ إلّا عبر الحسّ فقد زوّد الله الإنسان الذي أراد له أن يسير في صراط طلبها والسعي لنيلها ، بالحواسّ الظاهرة والباطنة لكي تكون وسيلة تعينه على ذلك الوصول والوصل . 3 الوقوع في دار المحسوسات أمرٌ حتمي ، لكي تكون نقطة انطلاق الإنسان من خلال اعتماده على ما في هذا الدار إلى الدار التي هي الحيوان والخلود . 4 تقدّم أنّ المحسوسات مدينة في وجودها للمُثُل ، كيف وهي أي المحسوسات رشحات لأنوارها وأظلال لأضوائها ، وقد أشير هاهنا إلى أنّ المثل والروحانيّات يتمّ الوصول إليها من خلال المحسوسات التي تدرك بالحواسّ التي تستعين النفس في حسّها بآلات وأعضاء ، إذن النفس في مقام إحساسها فقيرة ومحتاجة إلى المادّة التي هي البدن ، فلكي تدرك المبصرات مثلًا تحتاج إلى العين ، وهكذا . . . لكنّها أي النفس لا تحتاج لذلك في مقام دركها للعقليّات ، وهذا يكشف عن غناها الكاشف عن تجرّدها . 5 المحسوسات أمور معدّة للنفس للوصول إلى الكلّيات ، فإذا ما وصلت استغنت النفس عنها ، إذ المعدّات إنّما يحتاج إليها في الحدوث لا البقاء ، وبالتالي فلابدّ أن تُعامل المعدّات معاملة الذي لا يبقى أثره ، لا معاملة الذي يطلب لذاته ، ألا ترى أنّ النفس إذا قويت واشتدّت تفارق البدن ، وذلك « . . . بسبب استقلالها في الوجود على التدريج ، وتنقطع شيئاً فشيئاً من هذه النشأة الطبيعيّة إلى نشأة ثانية . . . فالنفس تتحوّل في ذاتها من طور إلى طور ، وتشتدّ في تجوهرها من ضعف إلى قوّة ، وكلّما قويت النفس ،