تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
يُقال في جمال العالم الأعلى ؟ وما الذي يمكن أن يُقال فيما لو قيّض للإنسان أن يصل إلى منبع الجمال المطلق ؟ أيعقل أن يلقي ذلك الإنسان بالًا لجمال سواه مهما بلغ من البهاء ؟ وأيّ بهاء أمام بهائه القهّار الذي يستهلك كلّ بهاء تحت قهر بهائه ، وبهذا يعلم أنّ مثل يوسف ( ع ) الغارق في جماله تعالى وهو الجمال المطلق لا يمكنه أن يرضى عنه بدلًا أيّ جمال كان ، ومن ذهب مذاهب لا تليق بمقام ذلك الصدِّيق فعذره جهله بما وصل إليه يوسف ( ع ) من إدراك للجمال الذي ليس كمثله جمال ؛ وذلك لأنّ صاحبه ليس كمثله شيء . هذا الجمال الذي يملأ الخافقين إنّما كان وبهذا الاتّساع ليعدّك لإدراك الجمال الأليق ، وهو الذي في العالم الأعلى ، وهو الذي تنزّل وتجلّى في العالم الأدنى لما ذكر ، ثمّ إذا وفّق الإنسان للوصول إلى الجمال الذي في العالم الأعلى أعدّه وشوّقه للجمال الأسنى الذي كلّما ارتشف منه بقلبه زاد ظمأً إليه وإقبالًا عليه ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . وبعبارة مختصرة : إنّ الجمال الذي هاهنا سبب الانشداد والعشق والميل ، فإذا كان الإنسان بصيراً بالأمور علم أنّ هذا الجمال ليس إلّا قنطرة إلى الجمال الأوفى ، وأنّ العشق هاهنا إنّما هو قنطرة ودرج للعشق الأمثل وهو العشق الحقيقي ، وبهذا يكون العشق المجازي سيفاً ذا حدّين : فإذا لوحظ في نفسه وما فيه ينظر كان وبالًا وكان سراباً بقيعة ، وأمّا إذا نظر إليه كوسيلة وآلة تعينه على الوصول إلى العشق الحقيقي فهو كلّ الخير سيما إذا بلغ منتهاه ، واستولى على صاحبه فأرداه صريعاً يعاني من حُرُق الهوى ، والتياع القلب ، وتفتّت الكبد ، وسكر الهيام . ولو أنّ ما بي بالجبال ، وكان طو ر سينا بها ، قبل التجلّي لدكّتِ فطوفان « نوح » عند نَوحي كأدمعي وإيقاد نيران الخليل كلوعتي