تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
مصوّرةً فيها ، لها صورةٌ روحانيّةٌ نقيّةٌ صافيةٌ باقيةٌ معها معشوقاتُها ، متّصلةٌ بها اتّصالًا معنويّاً لا يُخاف فراقُها ولا تغييرُها ، فيُستغنى حينئذٍ بالعيانِ عن الخبرِ والبيانِ ، ويُزهدُ عن ملاقاةِ الألوانِ ، ويُتخلَّصُ عن الرقِّ والحدثان . والدليلُ على صحّةِ ما قلناه يعرفُه مَن عشِقَ يوماً شخصاً من الأشخاص ثمَّ تسلَّى عنه أو فقدَه مدّةً ، ثمَّ إنّه وجدَه من بعد ذلك وقد تغيّرَ هو عمّا كان عهدُه عليه من الحسنِ والجمالِ ، وتلك الزّينةُ والمحاسنُ التي كان يراها على ظاهرِ جسمهِ وسطوحِ بدنِهِ ، فإنّه متى رَجعَ عن ذلك فنظرَ إلى تلكَ الرّسومِ والصُّورِ التي هي باقيةٌ في نفسِه منذُ العهدِ القديمِ وجدَها بحالِها لم تتغيّرْ ولم تتبدّلْ ، ورآها برمَّتِها فشاهدَها في ذاتِه حينئذٍ ما كانت تراها من قبلُ لم تدثرْ ولم تفسدْ بل باقيةً ببقاءِ علَّتها الجاعلةِ ودوامِ فاعِلها القائم ، وربِّ صنمِها الدّائمِ ، وحينئذ يجدُ من نفسِها وجوهرِها ما كانت تطلبُ قبلَ ذلك خارجاً عنها ، فعند ذلك يرفُضهُ ، وتعلمُ وتقرُّ بأنَّ تلكَ الصورَ الحِسانَ والشمائلَ والفضائلَ التي كانت تراها على ذلك الشخصِ ليست محبوسةً فيه ثابتةً له محصورةً عنده ، بل مرسومةٌ في جوهرِها متصوّرةٌ في ذاتِها باقيةٌ ثابتةٌ على حالةٍ واحدةٍ لم تتغيَّرْ ، وإنَّما ذلك الشّخصُ كان دليلًا عليها كغيرِه من الأشخاصِ الصنميّةِ التي تكونُ دلائلَ على الأنوارِ العقليّةِ ومظاهرَ للمعاني النّوريّةِ ، فإذا فكَّر العاقلُ اللبيبُ في ما وصفْناهُ استيقظتْ نفسُه من نومِ غفلتِها ، واستقلَّتْ بذاتِها ، وفازتْ بجوهرِها ، واستغنتْ عن غيرِها ، واستراحتْ عند ذلك من
المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 294 | السيد كمال الحيدري / عبد الله الأسعد