إشارات الفصل
ليس كلّ مسخّن حارّاً
أمّا المناسبة التي جعلت المصنّف ( رحمة الله عليه ) يذكر هذه القاعدة هي ذكره للنار وتنزّلاتها المتعدّدة ، إلى أن ذكر الغضب الذي عدّه ناراً في مرتبة النفس ،
فالنار في مرتبة النفس تسمّى بالغضب ، وهي محرِقة كما النار في مرتبة الخارج ، حيث إنّ الغضب يحرق الأخلاط على رطوبتها بدرجة ليست متاحة للنار الخارجيّة مع الحطب على رغم سورة اللهب . فلمّا وصل به الكلام إلى هاهنا ذكر أنّه ليس كلّ مسخّن يكون حارّاً ، وقد طرح الغضب مثالًا للمسخّن والمحرق مع أنّه ليس ساخناً حارّاً ، بل هناك صور تسبّب غليان الدم في العروق يؤدّي إلى احمرار الوجه ، وذلك فيما لو تصوّر الإنسان صورة عدوّ له ، إذن فقد سخّنت هذه الصورة الدم والوجه مع أنّها غير ساخنة .
وقد اعتمد على هذه المقولة الحكيم الطوسي في الإشارات في دفع إشكال عرضه فقال : « . . . فإن توهّم متوهّم أنّ صدور مثل هذه الأفعال لا يجوز أن يصدر عن النفس الناطقة لظنّه أنّ العلّة لا تقتضي شيئاً لا يكون موجوداً فيه أو له ولو كان بالأثر ، فينبغي أن يتذكّر أنّه ليس كلّ مسخّن بحارٍّ ، فإنّ الشّعاع مسخّن وليس بحارّ ، وليس كلّ مبرّد ببارد ، فإنّ صورة الماء مبرّدة وليست بباردة . . . » « 1 » .
لكن للتأمّل مجال في ذلك ، إذ الغضب الذي هو مدار الكلام حارٌّ
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، للشيخ أبي علي حسين بن عبد الله بن سينا ، مع الشرح للمحقّق نصير الدِّين محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي ، وشرح الشرح للعلّامة قطب الدِّين محمّد بن محمّد بن أبي جعفر الرازي ، نشر : البلاغة ، قم ، 1996 م ، ج 3 ص 415 .