تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣

الفصل الثاني : إيقاظ عقليّ

لا يخفى على من تنوَّرَ قلبُه واستضاءَ عقلُه بعدَ التأمّلِ في ما مرَّ مِنَ القواعِد والأصولِ أنَّ الغرضَ الأقصى في وجودِ العشقِ في جبلَّةِ النفوس ومحبَّتِها لشمائلِ الأبدانِ ومحاسنِ الأجسامِ واستحسانِها زينةَ الموادِّ والأَجرامِ إنّما هو تنبيهٌ لهَا مِن نومِ الغفلةِ ورقدةِ الجهالةِ ، ورياضةٌ لها مِن تخريجِ الأمورِ الجسمانيّةِ والأصنامِ الهيولانيّةِ إلى المحاسنِ الروحانيّةِ والفضائلِ العقلانيّهِ والأنوارِ الإلهيّةِ ، ودلالةٌ على معرفةِ جواهِرها وشرفِ عنصرِها ومحاسنِ عالمِها وصلاحِ معادِها ، وذلكَ لأنَّ جميعَ المحاسنِ والفضائلِ وكلَّ الزّينَةِ والمشتهياتِ المرغوبِ فيها اللواتي تُرى على ظواهرِ الأجرامِ وجلودِ الأبدانِ إنّما هي أصباغٌ ونقوشٌ ورسومٌ صوَّرتها أربابُ أنواعِها وملائكةُ تدابيرِها في الموادِّ والاسقطساتِ ، قد زُيّنتْ بها كيما نظرتِ النفوسُ إليها حَنّتْ إليها وتشوّقتْ نحوها ، وقصدتْ لطلبِها بالنّظرِ إليها والتأمّلِ لها ، واستنبطتْ خالصَها المجرَّدَ عن مغشوشِها المحسوسِ ، وتعرَّفَتْ لبّها المصفّى عَن قِشرِها المكدَّرِ بانتزاعِها الكليّاتِ مِن الجزئيَّاتِ ، وتفطُّنِها بالعقليّاتِ من الحسيَّاتِ ، ورفضِها الدُّنيا لأجلِ الآخرةِ ، كلُّ ذلك كيما يُتصوَّرَ تلك الرسومُ والمحاسنُ في ذاتِها واتّصلتْ بها وتمثّلتْ لدَيها ، حتّى إذا غابتْ تلك الأشخاصُ الجرمانيّةُ عن مشاهدةِ الحواسّ بقيتْ تلكَ الصورُ المعشوقةُ المحبوبةُ مشاهدةً لها