تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
إلى المنبع الحقيقي للنور ، والدخول إلى ذلك المنبع هو النتيجة التي يتوخّاها أولو الألباب ، حيث يتأمّلون في جمال هذه الأنوار المنبعثة من صور الموجودات الظاهريّة يفتنهم تلألؤها ويأخذ بمجامع قلوبهم أبهاؤها ، لكنّهم وبما بقي لهم من انتباه واختيار ، حيث وإن كان لهذا النور ما له من تأثير وهيمنة على النفوس إلّا أنّه لا يسلب اختيار النفوس القويّة ، حيث يبقى عندها من القوّة ما يسعفها على المقايسة والمقارنة بين ما لهذه الأنوار من رُواء وبهاء ، وبين لما لمنبعها من ذلك ، فإذا ما توجّهت إلى المنبع ذهلت عن تلك الأنوار ، بل ولعلّها تستغفر على كلَفها بها لحين من الأحيان ، لكنّها مرحلة لابدّ من قطعها للوصول إلى غاية الجمال ونهاية الحُسن والكمال ، وهناك ينال الواصل ما لا يوصف ، من الهيام الذي يورثه العشق الذي أورثه الانشداه بذلك الجمال المطلق ، وما كان ليكون لولا عشق أنواره الموجودة في صوره في عوالمه الدُّنيا والعليا ، حيث كان عشقها والكَلَف بها قنطرة للعشق الأكبر والمحبّة العظمى ، التي يلزمها المعاناة والمقاساة ، والسهر ، والشعور المرّ بهجر المحبوب وإعراضه ، وإلّا وكما يقول ابن الفارض : فالغرام له أهل ، وذلك في قصيدة غرّاء عصماء ، يقول فيها : هو الحبُّ فاسْلمْ بالحشا ، ما الهوى سهل فما اختاره مضنى به وله عقلُ وعِشْ خالياً ، فالحبُّ راحته عَناً « 1 » وأوّله سُقمٌ ، وآخرهُ قتلُ ولكن لديَّ الموت فيه ، صبابة حياةٌ ، لمن أهوى عليَّ بها الفضلُ فإنْ شئت أنْ تحيا سعيداً ، فمت به شهيداً وإلّا فالغرام له أهلُ فمن لم يمت في حبّه ، لم يعش به ودون اجتناء النحل ماجنت النحلُ
هامش
( 1 ) عناء .