ألا ترى أنَّ آثارَ أنوارِه التي ظهرتْ في عالَم الملكِ ، وتنزَّلتْ عن مراتبِها الرَّوحانيّةِ العقليّةِ ، ولاحتْ في صورِ الجزئيّات ، واتّسمتْ بالحسنِ واللطافةِ والغنجِ والدَّلالِ مع أنّها ضعُفَتْ بصحبةِ الظّلمةِ الجسميّةِ ، وتكثَّفتْ بالكثافةِ المادّيّةِ بعد نقائِها وصفائِها وتجرُّدِها ، كيفَ تدهِشُ العقولَ وتحيِّرُ الألبابَ وأصحابَها ، وتوقعُ في الفتنِ والمحنِ طلّابَها ، فما ظنُّكَ في الجمالِ المطلقِ الذاتيِّ ، والنّورِ الساطعِ الذي في غايةِ العظمةِ ونهايةِ الكبرياءِ ، والكمالِ المدهشِ للعقولِ والقلوبِ من وراءِ سبعينَ ألفِ حجابٍ نورانيٍّ وظلمانيٍّ ، كما رُوي عَن رسولهِ ( ص ) : إنَّ لله سبعينَ ألفِ حجابٍ من نورٍ وظلمةٍ لو كشفَها لأحرقَتْ سبحاتُ وجههِ ما انتهى إليه بصرُه من خلقه .
وتفطّنْ ممّا قاله عليه السلام : إنّ هذه النَّارَ من نارِ جهنَّمَ غُسلتْ بسبعين ماءً ثمَّ أُنزلتْ ، وقسْ النورَ النورَ عليها في استنارتهِ واحتجابِه ، إذ لولاه لما كان للعالمِ وجودٌ ولا ذوقٌ ولا شهودٌ لاحتراقهِ واضمحلالهِ مِن سطوعِه ، فكما أنّ حرارةَ هذه النّارِ الجسمانيّةِ التّابعةِ لصورتِها النّوعيّةِ شررٌ من نارِ قهرِ الله المعنويّةِ بعد تنزُّلِها في مراتبَ كثيرةٍ كتنزُّلِها في مرتبةِ النّفسِ بصورةِ الغضبِ ، إذ ربّما تؤثّرُ شدّةُ الغضبِ في إحراقِ الأخلاطِ مع رطوبتِها ما لا يؤثّرُ النَّارُ في الحطبِ مع سَورة اللهب .
ومن هذا يُعلم أنَّ كلَّ مسخِّن لا يجب أنْ يكون حارّاً ، فكذلك الأنوارُ المحسوسةُ من النيرانِ والكواكبِ أظلالٌ وأشباحٌ لأنوارِ لطفِ اللهِ المعنويّةِ ، وآثارٌ لأضواءِ ملكوتِهِ ، وأشعّةِ جمالهِ بعد هبوطِها في منازلِ أمرِه وخلقِه .
المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 286
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٦