الفصل الخامس : الحقُّ في التعليميات
واعلم أنَّ المنقولَ عن إفلاطونَ وحكماءِ الفرسِ والقدماءِ مِنَ اليونانيّينَ القولُ بمفارقةِ النّوعيّاتِ وتجرّدِ الصورِ الجوهريّةِ لحقائقِ الأجسامِ الطبيعيّةِ ، وأمّا التّعليميَّاتُ فإنّها عندهم مادِّيَّاتٌ في وجودِها ألبتّة وإنْ فارقتِ المادَّة في الحدِّ ، فليس يجوزُ عِنْدهم وجودُ بُعدٍ قائمٍ لا في مادّةٍ ، وبرهانُه على ما سيجيءُ ، أنّه لو كان مجرّداً لكان إمّا متناهياً أو غير متناهٍ ، والثَّاني باطلٌ ، لما سيجيءُ مِن بيانِ استحالةِ عدمِ تناهي الكمِّيّاتِ القارّةِ وغيرِ القارّةِ ، لا لما في الشّفاءِ من أنَّ عدمَ تناهيهِ عند التجرّدِ إمّا لأنّه مجرّدُ طبيعةٍ فيلزم أنْ يكون كلُّ بُعْدٍ غيرَ متناهٍ ، وإن لحقَهُ لتجرّدِه عَنِ المادّةِ
كانت المادّةُ مفيدةَ الحصرِ والصُّورةِ ، وكلا الوجهين محالٌ ، لما علمتَ من عدمِ جريانهِ في ما يتفاوتُ كمالًا ونقصاً ، والكمّيّاتُ من هذَا القبيل .
والأوّلُ مستحيلٌ ، لأنَّ انحصارَ البعدِ حينَ تجرّدهِ في حدٍّ محدود وشكلٍ مقدّرٍ لا يكونُ إلَّا لانفعالِ عَرَضَ له مِن خارجِ طبيعتِه ، والانفعالُ كما ستعلمُ من عوارضِ المادّةِ بالذّاتِ ، فيكونُ غيرَ مفارق ، وقد فرضْناه مفارقاً ، وهذا خلفٌ .
والحجّتانُ المذكورتانُ أوردَهُمَا الشّيخُ على القائلينَ بمفارقةِ التَّعليمياتِ ، لكنّهما بعينيهِما جاريتانِ من قبلهِ في إبطالِ الصورِ المفارقةِ ،
واردتانِ بحسبِ أسلوبهِ على هذا المذهبِ ، ولذلك نقلناهما بما يوافقُ رأيَ القائلين بالمثلِ الإفلاطونيّةِ والصُّورِ المفارقة .