الفصل الثاني : إكمال
أقولُ : والأظهرُ أنَّ أولئكَ الأكابرَ مِنَ الحكماءِ والأعاظمِ مِنَ الأولياءِ المتجرّدينَ عن غشاواتِ الطّبيعةِ الواصلينَ إلى غاياتِ الخليقةِ حكموا بأنَّ الصّورَ المعقولةَ من الأشياءِ مجرّدةٌ قائمةٌ بذواتِها ، وإيّاها يتلقَّى العقلاءُ والعرفاءُ في معقولاتِهم ومعارِفهم ، إذ لها وجودٌ لا محالةَ ، فهي إمّا قائمةٌ بذواتِها أو حالّةٌ في محلٍّ إدراكيٍّ منّا ، والثاني باطلٌ ؛ وإلّا لما غابَ عن محلِّها
الذي هو النّفسُ ، ولا سيّما إذا كانتِ النّفوس المشرفة الزّكيّة ولا كيفيّة حلولِها فيه .
فإنْ قيل : إنّها حينَ غيبوبَتِها مِنَ النّفسِ ليست قائمةً بها موجودةً فيها ، بل يكونُ قيامُها دائماً بجوهرٍ عقليٍّ مفارق ، وهو خزانةُ المعقولاتِ ، فيدركُها حينَ اتّصالِها به ، وتوجُّهِها إليه ، واستحقاقِها لفيضانِ تلكَ الصّورِ منه عليها .
قلنا : مع الإغماضِ عمَّا مرَّ من مفاسدِ ارتسامِ صورِ الحقائقِ في النّفس ، يلزمُ انتقاشُ جوهرٍ عقليٍّ بصورِ الحقائق ، والأنواعِ المتكثّرةِ المتكافئةِ الوجودِ في مرتبةٍ واحدةٍ على سبيلِ الإبداعِ ، وذلك باطلٌ ؛ لأنَّ انتقاشَ المبادي العقليّةِ بصورِ ما تحتَها لا يجوزُ أنْ يُستفادَ ممّا تحتَها ، وإلّا لزمَ انفعالُ العالي عن السافلِ ، واستكمالُه به ، والقدماءُ أشدُّ مبالغةً في استحالةِ هذا من المشّائينَ أتباعِ المعلّمِ الأوّلِ ، فبقيَ أنْ يفيضَ عليها ممّا